تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

رسول الله ?: ((بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)). فهذا يؤيد أن شرعنا موافق لشرع نوح في هذه المسألة، وذلك أعلى درجات الاستدلال بشرع من قبلنا، ولو لم يَرِد في شرعنا ما يدل على الموافقة، فليس في شرعنا ما ينصُّ على إلغاء دعوة نوح أو خصوصيتها به، فهي حُجَّةٌ في أصح أقوال العلماء. ورحم الله ابنَ تيمية؛ فإنه لما ذكر المسألة علىجهة البحث ـ كما في ((الفتاوى)) 8/ 336 قال: ثم ننظر في شرعنا هل نسخه أم لا؟. اهـ. ولعل فيما ذكره ابن حجر من الاستدلال بعموم دعاء خبيب ما يدلُّك على أن شرعنا لم ينسخ هذه الدعوة. فصلٌ والدعاء عليهم بالقحط وهلاك الأموال ونحوها جائزٌ على جهة التعميم، وليس ذلك خاصاً بالنبي ? بل له ولمن بعده، فإن كانت مصلحة المسلمين في ذلك فَثَمَّ شرع الله.قال البخاري رحمه الله: باب الدعاء على المشركين، وقال ابن مسعود ?:قال النبي ?: ((اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسف .. )) وذكر فيه أحاديث منها حديث أبي هريرة ? أن النبي ? كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: (( ... اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف)).وهذا الدعاء ليس منسوخاً بقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) [آل عمران: 128]؛ لأن الآية إنما نزلت في أُحُد، ولأن الآية إنما نهت عن الدعاء على المعيَّن من الكفار باللعن وهم أحياء وليس الدعاء على مضر من ذلك. قال الحافظ في ((الفتح)) 7/ 366: والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحُد. والله أعلم. اهـ.

وحرَّر رحمه الله أن الآية لا تتناول قصة مضر إسناداً ومتناً. ومما يدل على مشروعية الدعاء عليهم بإهلاك أموالهم؛ ما جاء في دعاء موسى عليه السلام، قال عز وجل عنه: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلايؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس:88] معنى اطمس: أَهْلِك. قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) 2/ 106: وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله لها وحقّقها وتقبّلها، كما استجاب لنوح في قومه. اهـ.

فهذا شرع موسى عليه السلام، وقد جاء في شرعنا ما يؤيده،كما في دعائه ? على مُضَر، وما كان الله تعالى وتقدَّس ليقرَّ موسى عليه السلام على هذه الدعوة ويستجب له؛ إلا أنها مشروعة. ومما يدل على ذلك ـ أيضاً ـ دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث دعا ربه، كما قال الله تعالى: (وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر) [البقرة:126] فهذا هو الدعاء المشروع، إذْ لا يشرع أن يقول مؤمن بالله واليوم الآخر ابتداءً: اللهم ارزق المؤمنين والكافرين، اللهم أَغِث المؤمنين والكافرين، ونحو ذلك، وإن كان يجوز في بعض الحالات كأن يطلب الكافر من المسلم أن يدعو الله له بالغيث فيجيبه رجاءَ إسلامه؛ فبان لك أن قول الله: (قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) هو لبيان الأمر الكوني، إذْ ليس ذلك إنكاراً على إبراهيم دعوته هذه، ولو كان كذلك لكان المشروع أن يقال في الدعاء دوماً: اللهم ارزق المؤمن والكافر، وذلك ما لم يقله أحدٌ فيما أعلم، فقوله الله تعالى: (قال ومن كفر ... ) الآية كقوله تعالى: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) [الإسراء:20]، وقوله تعالى (وأممٌ سنمتعهم ... ) [هود: 48].

فصلٌ قول القائل: إن الدعاء على الكافرين بالهلاك طعن في الحكمة الإلهية، إذْ قضى الله كوناً أن يبقوا، ودلَّ الدليل على بقائهم إلى آخر الزمان؛غير صحيحٍ لأمور: الأول: أنَّ هذا احتجاجٌ بالقدر على الشرع، وهو باطل؛ فالقدر علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، والشرع وظيفة العبد المكلف. وهذا الاحتجاج هوعمدة القائلين بالتقريب بين الأديان في زماننا، يقولون: ((ليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه على الناس فرضاً حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة، إذْ أنَّ كل ذلك محاولة فاشلة، ومقاومة لسنّة الوجود، ومعاندة للإرادة الإلهية)). هذا كلام د. وهبة الزحيلي في كتابه ((آثار الحرب)) ص65. ولغيره من دعاة التقريب هذا الاحتجاج، وقد أجاد في ردِّه وإبطاله وبيان فساد ما يترتب عليه الدكتور الشيخ أحمد بن عبدالرحمن القاضي في كتابه ((

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير