تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وخلاصة الكلام أن قول من أشرنا إليهم أن قبر يحيى عليه السلام كان ضمن المسجد الأموي منذ دخل دمشق الصحابة وغيرهم لم ينكر ذلك أحد منهم إن هو إلا محض اختلاق .. ) وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري، في "كتاب أخبار المدينة" مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن ابن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج، وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأدخل القبر فيه" ..

يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما إدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضاً لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطراً إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال " إنه لا سبيل إليها " (انظر " طبقات ابن سعد " (4/ 21) و" تاريخ دمشق " لابن عساكر (8/ 478/2) وقال السيوطي في "الجامع الكبير" (3/ 272/2): وسنده صحيح إلا أن سالماً أبا النضر لم يدرك عمر، و"وفاء الوفاء" للسمهودي (1/ 343) و"المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية" للعلامة محمد سلطان العصومي رحمه الله تعالى (ص43) وهو مؤلف رسالة هداية السلطان ‘إلى بلاد اليابان" التي ادعى أحد الدكاترة أنها ليست له، وإنما لبعض إخواننا! مع أنني تناولتها منه هدية مطبوعة حين زرته في مكة في حجتي الأولى سنة 1368هـ.) فأشار رضي الله عنه إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد ..

ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئاً ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم، قال النووي في "شرح مسلم" (5/ 14):

"ولما احتاجت الصحابة (عزو هذا إلى الصحابة لا يثبت كما تقدم (ص79) فتنبه.) والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد (1في هذا دليل واضح على أن ظهور القبر في المسجد ولو من وراء النوافذ والحديد والأبواب لا يزيل المحذور، كما هو الواقع في قبر يحيى عليه السلام في مسجد بني أمية في دمشق وحلب، ولهذا نص أحمد على أن الصلاة لا تجوز في المسجد الذي قبلته إلى قبر، حتى يكون بين حائط المسجد وبين المقبرة حائل آخر، كما سيأتي، فكيف إذا كان القبر في قبلة المسجد من الداخل ودون جدار حائل؟ ومن ذلك تعلم أن قول بعضهم:

"إن الصلاة في المسجد الذي به قبر كمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بني أمية لا يقال إنها صلاة في الجبانة، فالقبر ضمن مقصورة مستقل بنفسه عن المسجد، فما المانع من الصلاة فيه".

فهذا قول لم يصدر عن علم وفقه! لأن المانع بالنسبة للمسجد الأموي لا يزال قائماً وهو ظهور القبر من وراء المقصورة، والدليل على ذلك قصد الناس للقبر والدعاء عنده وبه والاستغاثة به من دون الله، وغير ذلك مما لا يرضاه الله، والشارع الحكيم إنما نهى عن بناء المساجد على القبور سداُ للذريعة ومنعاً لمثل هذه الأمور التي تقع عند هذا القبر كما سيأتي بيانه، فما قيمة هذه المقصورة على هذا الشكل المزخرف، إنما هي نوع آخر من المنكر الذي يحمل الناس على معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم صاحب القبر بما يجوز شرعاً، مما هو مشاهد معروف، وسبقت الإشارة إلى بعضه.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير