تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الله عليه وسلم الفعلية دبر الصلوات كما في حديث أم سلمة رضي الله عنه رضي الله عنها من عدم قيامه من مصلاه بعد الصلاة مباشرة، أو أرادوا أن ينبهوا على بعض الأذكار وألفاظها كما أتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلهم أشاروا إلى رفع صوته بها من خلال نقلهم سماعهم لها. 4 - ثم إن حمل الإمام الشافعي رحمه الله هذا الرفع لهذه المقدمات على التعليم محلُّ نظر؛ إذ لقائل أن يقول: لو ثبت ترك الرفع، كما ثبت الرفع لكان هذا سنةً وهذا سنةً كلٌّ يُفْعَلُ تارةً، وهذا أولى من حمل النصوص على مناسبات مخصوصة لا دليل ظاهرَ عليها يكون من شأنها ترك العمل بالسنة، حتى قال الشيخ ابن عثيمين (فتاوى 13/ 245):" وأما من زعم من أهل العلم أنه كان يُجْهَرُ به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للتعليم، وأنه لا يُسَنُّ الجهرُ به الآن؛ فإن هذا في الحقيقة مبدأ خطير، لو كنا كلما جاءت سنةٌ بمثل هذا الأمر قلنا: إنها للتعليم، وأن الناس قد تعلموا الآن فلا تشرع هذه السنة؛ لبطل كثير من السنن بهذه الطريقة" ا. ه كلام الشيخ، ولكن مثل هذا الكلام من الشيخ ابن عثيمين إنما يقال: لمن ترك هذه السنة بحجة أنها فُعلت للتعليم، وجعل تمام السنة الخفض، ولكن الإمام الشافعي مع قوله بأن الجهر إنما كان للتعليم إلا أنه سوَّغ العمل بهذه السنة وحسّن أمرها، وجعل علة التعليم إنما هو كتفقه يجمع به بين ما ظهر له رحمه الله من تعارض بين النصوص، ولذا قال الشافعي في أول تقريره للمسألة: " وأي إمام ذكر الله بما وصفتُ جهراً أو سراً أو بغيره فحسن " ا. ه، وكذا قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة - وتقدم كلامه - وابن حجر في الفتح في صدر شرح حديث ابن عباس رضي الله عنه، ولكن يبقى الإشكال عندي على كلام الإمام الشافعي رحمه الله إنما هو في قصر هذا على الإمام إذ هذا مبناه عنده علة التعليم لا ظواهر النصوص، وعلى كل حال فقصر هذا على الإمام - كما هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد نقلها أبو يعلى القاضي كما حكاه ابن رجب في فتحه - فيه نظر ظاهر وتقدم الجواب عنه. 5 - ثم لو قيل بأن العلة هي التعليم، فهذه العلة في الحقيقة تجعل من رفع الصوت بالذكر في أزمنتنا هذه من آكد السنن دبر الصلوات المكتوبات، فكم من الناس استبدل الأذكار النبوية الجامعة النافعة بأذكار مبتدعة لجهلهم بالأذكار النبوية الثابتة، وإن الواحد منَّا إذا فرغ من المكتوبة ليَعْجَبُ كلَّ العجبِ من هذه الأذكار التي يردِّدُها الناسُ بعد صلاتهم، ولو أردنا أن نذكر أخبار العامة وقصصَهم في ذلك لطال بنا المقامُ؛ والله المستعان.

وأما دليلهم الرابع: فقولهم: إن باب الذكر كالدعاء الأصل فيه المخافتة، فهذا الإلحاق فيه نظر يتبيَّنُ لنا من الكتاب العزيز، إذ أمر الله تعالى في الدعاء بالمخافتة فقال سبحانه:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" / الأعراف (55)، فأمر الله تعالى بالمخافتة بالدعاء وبيَّنَ أن ضدَّه من الاعتداء فقال:" إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "، ولم يرد مثل هذا في الذكر أبداً وغاية ما ورد النهي عن المبالغة برفع الصوت بالذكر كما في قوله تعالى: " وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) "، وكما في حديث أبي موسى رضي الله عنه:" ارْبَعوا على أنفسكم " وتقدَّمَ تفسيرُ الآية وبسْطِ كلام العلماء فيها، وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه، ثم يقال لهم: لو فُرِضَ أن باب الذكر كالدعاء في كونهما على المخافتة، فيقال: هذا هو الأصل، فحيث قام دليلٌ خاصٌ معارضٌ في باب الدعاء أو الذكر، وفيه رفع الصوت بذكرٍ ما أو دعاءٍ ما؛ لصرنا إلى هذا الدليل الخاص المعارض وتركنا العمل بهذا الأصل في هذا الذكر أو الدعاء بعينه، ولهذا نظائر تقدم الكلامُ عليها، كرفع الصوت بالتأمين خلف الإمام في الجهرية، ورفع الصوت بالتلبية في الحج والعمرة .... إلخ.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير