تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).

ومن مظاهر الإيمان والتوحيد في الحج مخالفة المشركين، وقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم في حجه الكفار في مواضع كثيرة، فعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أن الأنصارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِى آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)

وهذه الآية قصد بها رفع ما توهم الناس أن الصفا والمروة من جملة الأحجار التي كان أهل الجاهلية يعظمونها، وهذا السبب يقتضي تعظيمهما وتشريفهما مخالفةً للمشركين وتعظيما لشعائر الله، فإن اليهود والنصارى لما أعرضوا عن تعظيم الكعبة قال الله (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وأوجب حجُها على البيت فإذا كانت الصفا والمروة مما أعرض عنه بعض المشركين وهو من شعائر الله كان الأظهر إيجاب العبادة عنده كما وجبت العبادة عند البيت ولذلك سن النبي صلى الله عليه و سلم مخالفة المشركين حيث كانوا يفيضون من المزدلفة فأفاض من عرفات وصارت الإفاضة من عرفات واجبة ووقف إلى غروب الشمس فصار الوقوف بها واجبا، فقد رأينا كل مكان من الشعائر أعرض المشركون عن النسك فيه أوجب الله النسك فيه.

والطواف أيضا ً، فهو أحد مظاهر الإيمان والتوحيد لله في الحج، وهو أحد المواضع التي يظهر فيها إقامة ذكر الله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمرة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى)

ومن إقامة ذكر الله في الطواف، التكبير عند الركن، وأيضا الدعاء حال الطواف كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة.

والطائفون بالبيت يقيمون ذكر الله على اختلاف وجوههم في الطواف، ذلك أن الناس في الطواف على وجوه، منهم من يقرأ القرآن يُسمع نفسه ويتدبر ما يقرأ، ومنهم من يذكر الله عز وجل بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير يعظم الله عز وجل بقلبه وبلسانه، ومنهم من يتفكر في نعم الله الكريم عليه فيشكره عليها، ومنهم من يتفكر في ذنوب بينه وبين الله عز وجل فيستغفر الله العظيم منها، ومنهم من له مسألة فيلحُّ في الدعاء لله فيها مع ذل وانكسار.

ومن مظاهر الإيمان والتوحيد لله في الحج، الدعاء على الصفا والمرة والتهليل والتكبير، قال جابر رضي الله عنه في وصفه حجة النبي صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِىَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِى بَطْنِ الْوَادِى سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا).

ومن مظاهر الإيمان والتوحيد في الحج، الوقوف بعرفة، ففي هذا الجمع الكبير للناس، وتَوحُدهم في اللباس، وفي كشف الرؤوس، وفي التلبية، وفي وقوفهم في صعيد عرفات جميعا لا فرق بين غني وفقير، ورئيس ومرؤوس، وقد ألف الله بين قلوبهم وجَمْعهم على هذا الدين، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الوحدة فقال: (إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى).

وقد قال النبي صلى في خطبته في يوم عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله).

ومما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد وهي أعلى شعب الإيمان.

ومن مظاهر الإيمان والتوحيد لله تعالى الدفع من عرفة إلى مزدلفة فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه المشركين، فقد كانوا يدفعون قبل أن تغرب الشمس، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم بعد غروبها.

وكذلك دفعه من مزدلفة إلى منى فقد كانوا يدفعون بعد طلوع الشمس فخالفهم ودفع بعدها.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير