تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

إنما أنفس الأنيس سباع * يتفارسن جهرة واغتيالا

غير أنه لم ينشد ذلك على سبيل الاستشهاد بل أنشده مطلقا كأنه على قصد التمثيل لأن المتنبي عندهم لا يستشهد بشعره ومن ثمة أنشد المرادي له في (فصل) الإدغام من شرح الخلاصة الألفية بيتا فذكر البدر العيني في فرائد القلائد أنه بطريق التمثيل لا بطريق الإحتجاج بناء على أنه لا يستشهد بشعره كأبي العتاهية ودعبل الخزاعي فإنهما فيما ذكره هو أيضا لا يحتج بشعرهما ومنهم

ومن يقول سمي الأنس أنسا لأنهم يونسون أي يبصرون بخلاف الجن فإنهم يجتنون اجتنانا أي يسترون ولا يبصرون، فيكون اشتقاق الأنسان على هذا من الإناس بمعنى الإصار كالأنس وكذا إنسان العين وما يبصر فيه الإنسان شخصه لرقته وصفاته، وعلى ذلك قوله تعالى ? إني آنست نارا ? وأما قوله تعالى ? فإن آنستم منهم ... ? فعلى معنى علمتم لأن الإيناس والإبصار من طرق العلم فيطلق ويراد به العلم مجازا ويجري فيه التعليق جريانه في الفعل القلبي كما في قوله تعالى: ? فستبصر وتبصرون بأيكم المفتون ? (وبالجملة) ففي كل من الإنسان والإنس إحتمالان أحدهما أنه من الإيناس بمعنى الإبصار والثاني أنه من الأنس بالضم ولقد أحسن من قال:

الإنس مشتق من الأنس * والأحسن أن تنأى عن الإنس

ثيابهم ملس ولكنها * على ذئاب منهم طلس

يقال ذئب أطلس إذا كان في لونه غبرة إلى السواد والجمع طلس فإن قلت أنس و إيناس سيان عندهم وإختلاف الأنس والجن بحسب وصفي الإبصار وعدمه أشهر من (قفا نبك) وكذا إختلافهما بحسب الجنس فما وجه ما حكاه ابن خالويه عن العرب أنهم قالوا (أناس من الجن) فقلت: هو مجاز كما نص على ذلك الكمال الشمني في بعض مؤلفاته القول الثاني من القولين المذكورين للكوفيين أن إشتقاقه من النسيان وأصله إنسيان حذفت من الياء على خلاف القياس فقيل إنسان على وزن إفعان لا على وزن فعلان كما هو كذلك في القول الأول، والمختار هو الأول لما فيه من المناسبة اللفظية والمعنوية بخلاف الثاني حيث لا مناسبة فيه إلا من جهة المعنى بواسطة ما يعتري هذا النوع الإنساني من النسيان كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر .... أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني. وأما من حيث اللفظ فلا؛ لعدم الياء في إنسان لفظا كما لا يخفى وما استدل به الكوفيون من تصغيره على إنيسيان بياء ثانية بعد السين وقول ابن عباس رضي الله عنهما فيما نقلوه عنه إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي، و قول الشاعر:

لا تنسين تلك العهود * فإنما سميت إنسانا لأنك ناسي

فلا معول عليه. أما تصغيره على أنيسيان فلجواز أن لا تكون الياء أصلية والوزن أفيعلان بل زائدة والوزن فعيليان بدليل أنه لو كان محذوف اللام والأصل أنيسيان لم يحتج إلى ردها في التصغير كما لم يحتج إلى رد العين لو صغر شاك وبابه مما كان على وزن فاعل فصار على وزن فال لإمكان جعله بتلك الزيادة على فعيل من غير افتقار إلى رد (ه) الأصلي المحذوف وبهذا أسقط ما نقله صاحب الصحاح عنهم من أنها حذفت استخفافا لكثرة ما جرى على ألسنتهم فإذا صغروه ردوها لأن التصغير لا يكثر وذلك لأن التصغير إذا لم يتوقف على ردها لم يحتج إلى ردها فيه فلا يرد فيه وإن قل وهم إذا استغنوا عنها في التكبير وهو الأصل بواسطة كثرة الإستعمال واستغنوا عنها في التصغير وهو الفرع بواسطة إمكانه من غير ردها كان استغناؤهم عنها في الفرع أحرى. فإن قلت: إذا كانت ياء أنيسيان الثانية غير مفتقر إليها في التصغير مع القول فأصالتها كانت غير مفتقر إليها فيه مع القول بزيادتها وهو قول البصريين بالطريق الأولى فكما لزم الكوفيين عدم جواز هذا التصغير بواسطة عدم هذا الإفتقار لزم البصريين ذاك بالطريق الأولى. قلت: نعم لزمهم ذلك قياسا كما لزم الأوليين كذلك، غير أنهم رأوا أن الزيادة عند العرب أسهل من الحذف فحكموا بزيادة يا إنيسيان في التصغير ولم يحكموا بحذفها من إنسان في التكبير ورأوا أن إرتكاب شذوذ التصغير الناشئ عن زيادة ما لا يفتقر إليه أولى من إرتكاب شذوذه الناشئ عن رد ما لا يفتقر إليه ولإن سلمنا للكوفيين عدم شذوذ هذا التصغير أو كانت الياء الثانية أصلية فإن إدعاء (ا) بشذوذه بواسطة زيادة ما لا بفتقر إليه أهون من إدعاء الإشتقاق من النسيان لأنه في غاية البعد كما نبه على ذلك

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير