تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[ما فقه التوقع، وهل نحن بحاجة إليه، أم إنه رجم بالغيب؟]

ـ[همام النجدي]ــــــــ[06 - 04 - 10, 01:33 ص]ـ

فقه التوقع

خالد بن عبد الله المزيني

أستاذ الفقه بقسم الدراسات الإسلامية والعربية

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الظهران

* ما فقه التوقع، وهل نحن بحاجة إليه، أم إنه رجم بالغيب؟

- فقه التوقع هو حسن الاستعداد للنازلة قبل وقوعها، أو الاستعداد لآثارها بعد وقوعها، باستشراف المشاهد التي يمكن أن تؤول إليها في المستقبل، وذلك بواسطة تبصرات ومقاربات عقلية ينجزها عقل الفقيه، المزكى بنور الوحي، المستند إلى شواهد الماضي وقرائن الأحوال الحاضرة، فيعمد عند النظر في الوقائع المستقبلية، أو الوقائع الحالية التي تترتب عليها آثار مستقبلية، يعمد بشفوف نظره إلى توقع الصورة التي ستؤول إليها الواقعة، ثم يرصد جملة المصالح والمفاسد المترتبة على تلك الصورة، ثم ينزل الأحكام المناسبة لها. وبالجملة فإن فقه التوقع عبارة عن عملية حدس متقدمة، مبنية على معطيات موضوعية، وأقيسة ونظائر معتبرة، بحيث يجتنب المجتهد الوقوع تحت ضغط الظرف الراهن، ويتحاشى التفاؤل المفرط، و التشاؤم البالغ.

واستشراف الإنسان لمستقبل أيامه ضروري لقادة الرأي، وساسة الشعوب، وأصحاب المصالح بعامة، وهو طبيعة تنزع إليها النفوس البشرية أبداً، كما يقرره ابن خلدون بقوله: " اعلم أن من خواص النفوس البشرية، التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت، وخير وشر، سيّما الحوادث العامة ... ، والتطلُّع إلى هذا طبيعةٌ، البشرُ مجبولون عليها "اهـ.

وفي هذا العصر اتسعت علوم التوقع، حتى نشأ أحد العلوم المساندة للعلوم الإدارية والسياسية وهو علم استشراف المستقبل، والاستشراف في اللغة: أن يضع الرجل يده على حاجبه، كالذي يستظل من الشمس، حتى يُبصِرَه ويستَبِينَه، وقد عرّفته بحسب اصطلاح الدارسين بأنه: التوقع المدروس للحوادث المستقبلية، بناءً على استقراء الوقائع الماضية والحاضرة.

وفي العصر الحديث، في عام (1949م) تحديداً، ابتكر المؤرخ الألماني "فليتشتايم" مصطلح " علم المستقبل "، ليشير به إلى علم جديدٍ مستقل، وقد دشن بكتابه: " التاريخ وعلم المستقبل "، عملية تطبيق واسعة لهذا العلم، تستهدف التوقع والتنبؤ البعيد المدى، في مجالات الحياة المتعددة، كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والبيئة. وليس يخفى أهمية هذا العلم لقادة الرأي، ومنهم الفقهاء، ومهما توفر الفقيه على الملكات العقلية المدربة على الحدس الرشيد، فستكون النتائج حميدة، والأحكام رشيدة.

وبالطبع فليس فقه التوقع من قبيل الرجم بالغيب في شيء، بل هو عمليات عقلية متسلسلة، يبنيها الفقيه على أساس اقتراح نماذج صالحة للمحاكاة، ثم اختبارها وامتحان النتائج الحاصلة منها، ثم تعميم الحكم في أشباهها ونظائرها، مع الاستمرار في ملاءمة تلك النتائج مع أدلة الشريعة وأصولها ومقاصدها.

فحين استشرى بين الناس شرب الخمر في عهد الفاروق، جمع الصحابة واستشارهم فكان مما قاله علي: إن المرء إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد الفرية ثمانون، فأرى أن يجلد ثمانين، كان في هذا مستشرفاً للواقع القادم، صانعاً للمستقبل، بحيث استبق انتشار التقاذف والتظالم بين الناس.

كما أن هذا الفن ليس من العلوم المستقلة، التي ينتظر منها أن توصلنا إلى نتائج نهائية، ولا يمكن للباحث أن يضع قواعد بالتنبؤ بالمستقبل، تضمن له تحقق ما تنبأ به، وإنما هي المقاربة، كيف وقد تفرَّد الرب سبحانه بالغيب، قال تعالى: ? وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ? [الأنعام (59)].

بين التوقع والافتراض

* ما الفرق بين فقه التوقع والفقه الافتراضي؟

- الفقه الافتراضي هو ذلك الفقه الذي امتازت به مدرسة أهل الرأي في مقابل مدرسة أهل الحديث في عصور الإسلام الأولى، فقد اشتهر عن أهل الرأي أنهم كانوا يفترضون صوراً لا وجود لها في الواقع، لكن يمكن وقوعها مستقبلاً، لتتنزل أحكامهم على وقائع مفترضة، فيستعدوا لها قبل وقوعها، وليتدرب الطلاب على التعاطي مع تلك الصور، في حين كان أهل الحديث يزجرون عن السؤال عما لم يقع، ولما كان أصحاب الأسئلة الافتراضية يبدؤون مسائلهم بقولهم: أرأيت لو كان كذا وكذا، فقد سماهم أهل الحديث بالأرأيتيين.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير