تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[حكم ترتيب فرائض الوضوء للشيخ محمد بن مكي]

ـ[بلال اسباع الجزائري]ــــــــ[11 - 05 - 08, 02:00 م]ـ

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمدًا عبده ورسوله.

أمّا بعد فقد اعتنى فقهاؤنا رحمهم الله بمسائل الفقه عناية منقطعة النظير فشرحوا معانيها وهذّبوا موضوعاتها، وفصّلوا مبهمها واختصروا مطولها لينالها العبد سهلة دانية كما أرادها الشرع الإسلاميّ الحنيف?الَّذِي لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ? [فصلت:42].

لأجل هذا عكف الفقهاء على بيان وتوضيح المسائل الفقهية بقسميها العبادات والمعاملات ليأتي العبد بالمطلوب وينزجر عن الممنوع لينال رضى ربه عزّ وجلّ بعد ما يتصوّرها ويعقل معناها، ومن بين هذه المسائل في قسم العبادات مسألة ترتيب فرائض الوضوء على نسق الآية، بحيث من نكس أعضاء وضوءه هل يصحّ وضوؤه وبالتالي تصحّ صلاته أم ليس الأمر كذلك؟

هذا ما سنحاول أن نبيّنه في ضوء المذاهب الفقهيّة السنّية. فانتظم البحث مقدّمة، بيّنت فيها تصوّر المسألة ثمّ عرض الأقوال مع أدلّتها بذكر الاعتراضات والجواب عليها قدر الإمكان مع بيان القول الراجح، وهي بمثابة الخاتمة لهذا البحث الصغير فنقول:

تعريف الترتيب لغة: هو من رتب الشيء يرتب رتوبًا، وترتب ثبت ولم يتحرّك، يقال رتَبَ الكعبُ أي انتصب انتصابة ورتّبه ترتيبًا أثبته (1).

وشرعًا: هو غسل الوجه ثمّ اليدين إلى المرفقين ثمّ مسح الرأس ثمّ غسل الرجلين إلى الكعبين.

وللفقهاء في حكم ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية قولان:

الأوّل: أنّ ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية واجب، بمعنى أنّ الله تعالى أراد إيجاب الترتيب وقصده في الوضوء ويكون شرطًا في صحّة الطهارة.

وبه قال الشافعيّ (2) وأحمد (3) ومالك (4) وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم وهو: أنّ من قدّم في الوضوء يديه على وجهه ولم يتوضّأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء.

القول الثاني: إنّ الترتيب في الوضوء على نسق الآية غير واجب بل هو مستحبّ.

وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (5) وحكاه المتأخّرون من أصحاب مالك على المشهور في المذهب (6) وبه قال النووي والأوزاعي والليث بن سعد وداود بن عليّ، وحكاه ابن المنذر عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما واختاره (7).

وبه قال ابن المسيّب والحسن وعطاء ومكحول والنخعي والزهري وربيعة والمزني من الشافعية.

الأدلّة:

استدلّ أصحاب القول الأوّل القائلون بوجوب الترتيب بالآية والحديث والإجماع والقياس.

1 ـ الكتاب:

قوله تعالى:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلىَ الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ?الآية [المائدة 7].

وفيها ثلاث دلالات:

الأولى: أنّ الله تعالى أدخل المسح بين الغسلين وقطع حكم النظير عن النظير فدلّ على أنّه قصد إيجاب الترتيب، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة جمعت المتجانسات على نسق ثمّ عطفت غيرها لا يخالفون ذلك إلاّ لفائدة؛ فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره بخروج التلاوة من ذكر غسل الوجه واليدين إلى مسح الرأس ثمّ رجعت إلى ذكر غسل الرجلين.

وأجيب أنّ فائدة هذا النسق إنّما هو لاستحباب الترتيب لا غير.

وأجيب أيضًا أنّه قد تكون الفائدة التنبيه على وجوب الاقتصار في صبّ الماء على الأرجل أي أنّها مظنّة الإسراف فعطف على الرأس الممسوح لا المسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها، فكأنّه قال:» واغسلوا أرجلكم غسلاً خفيفًا لا إسراف فيه كما هو المعتاد «، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح ونبّه بهذا التشريك الذي لا يكون إلاّ في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين حدًّا على أنّ الفعل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. فحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة.

ردّ أصحاب القول بالوجوب على الفائدة الأولى من وجهين:

أحدهما: أنّ الأمر للوجوب على المختار وهو مذهب جمهور الأصوليين.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير