تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

بل إن شئتْ قلْ: لماذا لم يخرَّج إمام المحدثين شيئاً فى ((صحيحه)) بهذه الترجمة ((زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ))!، ومن عجبٍ أنه ليس فى ((الكتب الستة)) بهذه الترجمة شئٌ البتة!!. والأعجب منهما: أن ((مسند الإمام أحمد)) على ضخامته ليس فيه بهذه الترجمة إلا حديث الصقعب بن زهير الآنف ذكره، فى موضعين منه (2/ 225،169) من رواية حماد بن زيد، وجرير بن حازم عنه!!. وقد حكوا أنه لما صنَّف الإمام مالك ((الموطأ)) جعل أحاديث زيد بن أسلم في آخر الابواب، فقيل له: لم أخرَّت أحاديث زيد بن أسلم جعلتها في آخر الابواب؟، فقال: إنها كالسراج تضيء لما قبلها.

ولا يخفاك أن إمام المحدثين أبا عبد الله البخارى حين صنَّف ((الجامع الصحيح)) لم يرد أن يستوعب الصحاح كلها، ولهذا سمَّاه ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه))، فقد حفزته الرغبة فى التيسير، وخشية الإطالة، ومخافة الملالة إلى هذا الصنيع. فقد كان من سبب تصنيفه، ما رواه إبراهيم بن معقل النسفي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصراً لسنن النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب. وقال إبراهيم بن معقل: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح مخافة الطول. وقال أبو عبد الله البخاري: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.

وأول ما يفجئك من تفسير هذه العبارة؛ أنَّ جملة من خرَّج له البخارى من الصحابة فى ((صحيحه)) لم يزد على 193 مائة وثلاثة وتسعين صحابياً، 162 اثنان وستون ومائة من الرجال، 31 واحد وثلاثون من النساء. فأين هذا العدد من الجم الغفير من الصحابة رواة الآثار وحفاظ أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم!!. فإذا انضاف إلى ذلك: أن 72 اثنين وسبعين صحابياً من بين هذا العدد اليسير جداً، ليس للواحد منهم فى ((الصحيح)) إلا حديثاً واحداً لا غير، تيقنت أن البخارى قد بالغ فى اختصار كتابه، مع أنه لم يترك أصلاً صحيحاً إلا وقد أودعه كتابه، من غير أن يستوعب رواياته وأسانيده المتباينة.

ولله در أبى عبد الله الحاكم النيسابورى، إذ قال فى ((مقدمة المستدرك)) (1/ 2): ((وقد صنف أبو عبد الله البخارى، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى فى صحيح الأخبار كتابين مهذبين، انتشر ذكرهما فى الأقطار، ولم يحكما ولا واحد منهما؛ أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه، وقد نبغ فى عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار، بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزءٍ أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة)).

ولا يخفاك أنهم قد حكوا تصحيح البخارى لأحاديث أودعها مصنفاته الأخرى، وأهمها ((الأدب المفرد))، و ((القراءة خلف الإمام))، و ((خلق أفعال العباد))، و ((التاريخ الكبير)). وممن اعتنى بذلك غاية العناية أبو عيسى الترمذى فى كتابه ((العلل الكبير)).

بل لقد ذهب أحد أئمة هذا الشأن إلى تصحيح أحاديث كتاب ((الأدب المفرد)) كلها، وذلك ما ذكره الحافظ الذهبى فى ((سير الأعلام)) (12/ 427) قال: ((وعن إسحاق ورَّاق عبد الله بن عبد الرحمن ـ يعنى الدارمى السمرقندى ـ قال: سألني عبد الله عن كتاب الأدب من تصنيف محمد بن إسماعيل، فقال: احمله إلىَّ لأنظر فيه، فأخذ الكتاب مني، وحبسه ثلاثة أشهر، فلما أخذته منه، قلتُ: هل رأيت فيه حشوا أو حديثاً ضعيفاً؟، فقال: ابن إسماعيل لا يقرأ على الناس إلا الحديث الصحيح، وهل يُنكر على محمد؟!)).

وأنا، وبلسان الإنصاف أنطق، انظر كتاب ((الأدب المفرد)) بعين الإجلال والإعظام، التى انظر بها ((الجامع الصحيح)). ولذا ذكرته فى تقريظ ((زوائد الأدب المفرد)) لأخى الشيخ أبى عبد الرحمن محمد بن مصطفى السكندرى بقولى:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير