تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ثم رأيت الطحاوي قد أخرج الحديث في " المشكل " (4/ 20) من الوجه المذكور , و ادعى نسخه! و كذلك رواه عبد الرزاق في " المصنف " (4/ 348 / 8016) و عنه الطبراني (9/ 350 / 9511) عن ابن عيينة به إلا أنه لم يصرح برفعه. و رواه سعيد ابن منصور: أخبرنا سفيان بن عيينة به, إلا أنه شك في رفعه و اختصره فقال: .. عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبدالله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة , أو قال: مسجد جماعة ".

ذكره عنه ابن حزم في " المحلى " (5/ 195) , ثم رد الحديث بهذا الشك. و هو معذور لأنه لم يقف على رواية الجماعة عن ابن عيينة مرفوعا دون أي شك , و هم:

1 - محمد بن الفرج , عند الإسماعيلي.

2 - محمود بن آدم المروزي , عند البيهقي.

3 - هشام بن عمار , عند الطحاوي. و كلهم ثقات.

قلت: فموافقته للثقتين اللذين قبله دليل على أنه قد حفظه , فلا يضرهم من تردد في رفعه أو أوقفه ,لأن الرفع زيادة من ثقات يجب قبولها. ثم رأيت الفاكهي قد أخرجه في " أخبار مكة " (2/ 149 / 1334): حدثنا سعيد بن عبد الرحمن و محمد بن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان به. إلا أنهما لم يشكا , و هذه فائدة هامة. و هما ثقتان أيضا.

و بالجملة , فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم , و أن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته , و لاسيما أن سياق القصة يؤكد ذلك عند إمعان النظر فيها , ذلك لأن حذيفة رضي الله عنه ما كان لينكر بمجرد رأيه على ابن مسعود رضي الله عنه سكوته عن أولئك المعتكفين في المساجد بين الدور , و هو يعلم فضله و فقهه رضي الله عنهما , فلولا أن الحديث عنده مرفوع لما تجرأ على الإنكار عليه بما لا تقوم الحجة به عليه , حتى رواية عبد الرزاق الموقوفة تؤيد ما ذكرته , فإنها بلفظ: " قوم عكوف بين دارك و دار أبي موسى لا تنهاهم! فقال له عبد الله: فلعلهم أصابوا و أخطأت , و حفظوا و نسيت! فقال: حذيفة: لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة .. " فذكرها.

ومثلها رواية إبراهيم قال: " جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك عكوف بين دارك و دار الأشعري , يعني المسجد! قال عبد الله: و لعلهم أصابوا و أخطأت , فقال حذيفة: أما علمت أنه: لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد. (فذكرها) , و ما أبالي أعتكف فيه أو في سوقكم هذه [و كان الذين اعتكفوا - و عاب عليهم حذيفة - في مسجد الكوفة الأكبر] ".

أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (3/ 91) و السياق له , و كذا عبد الرزاق (4/ 347 - 348) و الزيادة له , و عنه الطبراني (9510) و رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن إبراهيم - و هو النخعي - لم يدرك حذيفة. فاحتجاج حذيفة على ابن مسعود بهذه الجملة " لا اعتكاف " يشعر بانها في موضع الحجة عنده والا لم يقل له: (اما علمت ... ) الخ والله أعلم.

و اعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف و صفته كما تراه مبسوطا في " المصنفين " المذكورين و " المحلى " و غيرهما , و ليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: * (و أنتم عاكفون في المساجد) * , و هذا الحديث الصحيح , و الآية عامة , و الحديث خاص , و مقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص , و عليه فالحديث مخصص للآية و مبين لها , و عليه يدل كلام حذيفة و حديثه , و الآثار في ذلك مختلفة أيضا , فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.

أخرجه ابن أبي شيبة و ابن حزم بسند صحيح عنه.

ثم رأيت الذهبي قد روى الحديث في " سير أعلام النبلاء " (15/ 80) من طريق محمود بن آدم المروزي: حدثنا سفيان به مرفوعا , و قال: " صحيح غريب عال ". و علق عليه الشيخ شعيب بعد ما عزاه للبيهقي و سعيد بن منصور بقوله: " و قد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة "! و هذا يبطله قول ابن المسيب المذكور , فتنبه.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير