تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الثاني: أن العلماء اشترطوا في النية شروطاً متعددة جعلت النية أخص من القصد، فعدلوا إلى القصد لكونه أعم من النية في نظر بعض العلماء.

يبين الدكتور- يعقوب الباحسين ذلك بقوله: "وبهذا يتضح لنا أن التعبير بصيغة: الأمور بمقاصدها، ربما كان بسبب أنها كما تصورها بعض العلماء أعم من التعبير بصيغة: الأعمال بالنيات؛ لكون الأمور أوسع دائرة من الأعمال، ولكون المقاصد على رأي بعضهم أعم من النيات أيضاً" (10).

مكانة هذه القاعدة في نظر الفقهاء:

أشاد العلماء بهذه القاعدة، وكلامهم عن حديث الأعمال بالنية ينسحب إلى القاعدة لأنهما متوافقان، ومن أقوالهم في ذلك: ما نقل عن الشافعي أنه قال: "يدخل في هذا الحديث ثلث العلم" (11)، ويقول ابن تيمية رحمه الله: "المعنى الذي دل عليه هذا الحديث، أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل" (12). ويقول ابن القيم: "فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها، يبنى عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة" (13).

تقدير المحذوف في القاعدة:

في قوله: "الأعمال بالنيات" وقولهم: "الأمور بمقاصدها" لفظ محذوف لا يتم المعنى بدونه، وهو الذي يتعلق به الجار والمجرور.

واختلف الفقهاء في تقدير هذا المحذوف على ثلاثة أقوال ذكرها ابن دقيق العيد (14):

القول الأول: تقدير: الصحة، وعليه يكون التركيب: صحة الأعمال بالنيات. وهذا قول جمهور الفقهاء، ورجَّحَه بعض المحققين (15).

القول الثاني: تقدير لفظ: الكمال، أي: كمال الأعمال بالنيات؛ وهو رأي بعض الفقهاء؛ لأنهم رأوا أن بعض الأعمال قد يقع ويُعْتَدُّ به وإن لم تصحبه نية، كقضاء الحقوق من الديون ونحوها.

القول الثالث: أن التقدير: اعتبار الأعمال بالنيات (16)، وقد رجح القرافي هذا التقدير، وهو اعتبار الأعمال بالنيات، بقوله: "ومعنى هذا الحديث أن الأعمال معتبرة بالنيات وهذا أحسن ما قرر به، فوجب الحمل عليه، فيكون ما لا نية فيه ليس بمعتبر، وهو المطلوب" (17). ووجه ذلك أن لفظ الاعتبار أوسع من لفظ الصحة والكمال؛ لأن المعنى حينئذ أن الأعمال تابعة للنية موزونة بها من حيث الصحة والفساد، والثواب والعقاب، والكمال والنقص، وغير ذلك.

مجالات القاعدة:

قاعدة: الأمور بمقاصدها ليست مقصورة على باب فقهي معين أو مسائل محدودة، بل تدخل في جميع أبواب الفقه، لأن موضوع علم الفقه أعمال المكلفين من حيث ما يعرض لها من الأحكام الشرعية، وهذه القاعدة موضوعها كذلك سائر تصرفات المكلفين وأعمالهم من حيث ما يعرض لها من مصاحبة النية المعتبرة لها أو عدم ذلك.

ومما يبين وجه اتساعها أن لفظ: "الأعمال" ولفظ: "الأمور" لفظ عام، والعام يدخل تحته كل ما يشمله من أفراد. ومقتضى العموم في هذين اللفظين: لفظ الأعمال والأمور، يوجب أن كل عمل من الأعمال قولاً أو فعلاً أو تركاً، فرضاً أو نفلاً، فحكمه مرتبط بنيته صحة وفساداً، قبولاً ورداً، ثواباً وعقاباً.

ولسعة القاعدة وشمولها بيّن العلماء أنها تدخل في العبادات، والمعاملات المالية، والجنايات، والنكاح وما يتعلق به، وجل أبواب الفقه.

وتأثيرها في هذه الأبواب يختلف ويتفاوت فتؤثر في العبادات تأثير الشرط في المشروط، فتكون العبادة التي لم تقترن بنيتها المعتبرة عبادة غير صحيحة، كما تؤثر في قبول العبادات وعدم قبولها؛ لأن النية هي التي تفصل بين الإخلاص والرياء.

وتؤثر في بعض المسائل الفقهية تأثير السبب في المسبب، فتكون النية سبباً في تحريم الحلال كنكاح المحلل، أو تحريم الحلال كأكل المحرم من الصيد الذي صيد لأجله.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير