تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أحدهما لا يلزمُه، وهو مذهب الشافعى، لأن الزرع لا حُرمة له فى نفسه، ولهذا لا يجبُ على صاحبه سقيه بخلاف الماشيةَ.

والثانى: يلزمه بذلُه، واحتج لهذا القول بالأحاديثِ المتقدمة وعمومِها وبما رُوى عن عبيد اللَّه بن عمرو أنَّ قَيِّمَ أرضه بالوهط كتب إليه يُخبره أنه سقى أرضه، وفَضَل له مِن الماء فضلٌ يُطلب بثلاثين ألفاً، فكتب إليه عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما: أقم قِلْدَكَ، ثم اسق الأدنى، فالأدنى، فإنى سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينهَى عن بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ.

قالُوا: وفى منعه من سقى الزرع إهلاكُه وإفسادُه، فحرم كالماشية. وقولُكم: لا حرمة له، فلصاحبه حُرمة، فلا يجوزُ التسبُّب إلى إهلاك ماله، ومن سلَّم لكم أنه لا حُرمة للزرع؟ قال أبو محمد المقدسى: ويحتمِلُ أن يمنع نفى الحرمة عنه، فإن إضاعةَ المال منهى عنها، وإتلافَه محرم، وذلك دليل على حرمته.

فإن قيل: فإذا كان فى أرضه أو داره بئر نابعة، أو عين مستنبطة، فهل تكون ملكاً له تبعاً لملك الأرض والدار؟ قيل: أما نفسُ البئر وأرض العين، فمملوكةً لمالك الأرض، وأما الماءُ، ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان لأصحاب الشافعى.

أحدهما: أنه غيرُ مملوك، لأنه يجرى مِن تحت الأرض إلى مُلكه، فأشبه الجارى فى النهر إلى ملكه.

والثانى: أنه مملوك له، قال أحمد فى رجل له أرضٌ ولآخر ماء، فاشترك صاحبُ الأرض وصاحبُ الماء فى الزرع: يكون بينهما؟ فقال: لا بأس، وهذا القولُ اختيارُ أبى بكر.

وفى معنى الماء المعادنُ الجارية فى الأملاك كالقَارِ والنَّفط والمُوميا، والمِلح، وكذلك الكلأ النابتُ فى أرضه كُلُّ ذلك يُخرج على الروايتين فى الماء، وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يُملك، وكذلك هذه الأشياء قال أحمد: لا يُعجبنى بيعُ الماء البتة، وقال الأثرم: سمعتُ أبا عبد اللَّه يسأل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضُهم لهذا يوم، ولهذا يومان يتَّفِقُون عليه بالحصص، فجاء يومى ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم؟ قال: ما أدرى، أما النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فنهى عن بيع الماء، قيل: إنه ليس يبيعُه، إنما يكريه، قال: إنَّما احتالُوا بهذا لِيُحسِّنُوه، فأى شىء هذا إلا البيع .. انتهى.

وأحاديثُ اشتراكِ الناسِ فى الماء دليلٌ ظاهر على المنع من بيعه، وهذه المسألة التى سئل عنها أحمد هى التى قد ابتُلىَ بها الناسُ فى أرض الشام وبساتينه وغيرها، فإن الأرضَ والبستان يكونُ له حقٌّ مِن الشُّرب مِن نهر، فيفصل عنه، أو يبنيه دوراً، وحوانيت، ويُؤجر ماءَه، فقد توقف أحمد أولاً، ثم أجابَ بأن النبىَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماءِ، فلما قيل له: إن هذه إجارة، قال: هذه التسميةُ حِيلة، وهى تحسينُ اللفظ، وحقيقة العقد البيعُ، وقواعِدُ الشريعة تقتضى المَنع من بيع هذا الماء فإنه إنما كان له حقُّ التقديم فى سقى أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره، فإذا استغنى عنه، لم يجز له المعاوضةُ عنه، وكان المحتاج إليه أولى به بعده، وهذا كمن أقام على معدن، فأخذ منه حاجته، لم يَجُزْ له أن يبيعَ باقيَهُ بعدَ نزعه عنه.

وكذلك مَنْ سبق إلى الجلوس فى رَحْبَةٍ أو طريق واسعة، فهو أحقُّ بها ما دام جالساً، فإذا استغنى عنها، وأجر مقعده، لم يَجُزْ، وكذلك الأرضُ المباحة إذا كان فيها كلأ أو عشب، فسبق بدوابه إليه، فهو أحقُّ بِرَعْيهِ ما دامت دوابُّه فيه، فإذا طلب الخروج مِنها، وبيعَ ما فَضَل عنه، لم يكن له ذلك وهكذا هذا الماءُ سواء، فإنَّه إذا فارق أرضَه، لم يبق له فيه حقُّ، وصار بمنزلة الكلأ الذى لا اختصاص له به، ولا هو فى أرضه.

فإن قيل: الفرقُ بينهما أن هذا الماء فى نفس أرضه، فهو منفعةٌ مِن منافعها، فملكه بملكها كسائِرِ منافعها بخلاف ما ذكرتم مِن الصور، فإن تلك الأعيان ليست من ملكه، وإنما له حقُّ الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير