تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ولا يمكن الأخذ بما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من القول بعدم جواز التداوي لأنه يخالف ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من عموم الأمر بالتداوي، وترغيبه في ذلك في مواضع كثيرة، وأن الأخذ بالتداوي هو من باب الأخذ بالأسباب وحصول الشفاء بالدواء كدفع الجوع بالأكل وكدفع العطش بالشرب، وأن التداوي لا ينافي التوكل على الله - تعالى - لأن المسلم حين يتناول الدواء فإنه يعتقد بقلبه أن الشفاء لا يكون إلا بإذن الله - تعالى - وبتقديره، وإن الأدوية لا تنفع بذاتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وإلا فكم من مريض انقلب دواؤه داء؟.

وقد يكون مرد القائلين بأولوية ترك التداوي إلى ما عهدوه في عصرهم حيث كان التداوي بالوسائل البدائية والطرق التقليدية التي لم تصل إلى مستوى يثق به الناس، بل أغلبها كانت ظنية، لذا جاء التردد عنهم في الأخذ بها، وكذا ما ورد عن بعض السلف في تركه التداوي يعود إلى ظنه أنه وصل إلى مرحلة لا تجدي معها الأدوية، أو لعلمه أن هذا المرض لم يصل فيه الطب بعد إلى دواء ناجع، أو تحمل أقوالهم على أنها قيلت كرد على من اعتقد الشفاء في الأدوية وعلق قلبه بها، وتناسى الشافي الحقيقي وهو الله فجاءت أقوالهم تذكيرًا لأمثال هؤلاء.

وها هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كمال التوكل على الله، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، فقد ظاهر بين درعين، ولبس على رأسه المغفر (20)، وخندق حول المدينة، وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو أحق الخلق أن يحصل له ذلك، فبين بسنته القولية والفعلية أن الاحتراز لا يدفع التوكل.

ونجد الأمر بالتداوي والمحافظة على البدن واضحًا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تَدَاوَوْا» لما فيه من الأخذ بالأسباب واقتداء به - صلى الله عليه وسلم - ويتأكد الأمر أكثر في حق من يقومون على مصالح العباد.

ولذا قال المباركفوري بعد إيراده لحديث: «تَدَاوَوْا» فيه إثبات الطب والعلاج وأن التداوي مباح غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس، ونقل عن العيني قوله: فيه إباحة التداوي وجواز الطب وهو رد على الصوفية: أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواته، وهو خلاف ما أباحه الشارع، إذ إنه لم يخلق داء إلا وضع له شفاء أو دواء، وإنزال الدواء أمارة جواز التداوي.

ملخص: أحكام التداوي يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص:

1 - فيكون واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية.

2 - ويكون مندوباً إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.

3 - ويكون مباحاً إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.

4 - ويكون مكروهاً إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.

والله تعالى أعلم وأحكم


(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (21/ 564).
(2) الآداب الشرعية لابن مفلح (2/ 358)، وكشاف القناع (2/ 76)؛ والمجموع (5/ 96)؛ وانظر شرح مسلم (3/ 90).
(3) أخرجه البخاري (7505)، ومسلم (549).
(4) أخرجه البخاري (5652)، ومسلم (6736).
(5) ورد بأن ترك هؤلاء يعود - كما قال أبو طالب المكي - إلى الخشية من أن يهجس في نفوسهم أن الشفاء والنفع من فعل الدواء وذلك من الشرك.
(6) صحيح مسلم بشرح النووي (14/ 191)؛ وطرح التثريب للعراقي (8/ 184).
(7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (17/ 194).
(8) أخرجه الإمام أحمد (30/ 116)، والترمذي (2055)، وابن ماجه (3489)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (244).
(9) أخرجه الإمام أحمد (30/ 140)، والحميدي (2/ 337).
(10) أخرجه الإمام أحمد (1/ 381)، وأبو داود (3885)، وابن ماجه (3660)، وصححه الألباني في الصحيحة (331).
(11) نقله السفاريني في غذاء الألباب (1/ 459).
(12) تحفة المحتاج (3/ 182).
(13) يُنظر حاشية ابن عابدين (5/ 215،249)، والهداية تكملة فتح القدير (8/ 134)، والفواكه الدواني (2/ 440)، وروضة الطالبين (2/ 96)، وكشاف القناع (2/ 76)، والإنصاف (2/ 463)، والآداب الشرعية (2/ 359) وما بعدها.
(14) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي (1/ 73).
(15) أخرجه أبو داود (3874)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 5)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (833).
(16) أخرجه أحمد (4/ 278)، وأبو داود (3855)، والترمذي (2038)، والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 343)، وصححه الألباني في غاية المرام (292).
(17) أخرجه البخاري (5713)، ومسلم (5894).
(18) صفة الصفوة لابن الجوزي (2/ 33)؛ وتخريج الدلالات السماعية (ص:677).
(19) قواعد الأحكام (1/ 4).
(20) أخرجه الإمام أحمد (3/ 449)، وأبو داود (2590)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2257).

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير