تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في سياق بيان الأقوال في المسألة -:

سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها: كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أَبَى: عُذِّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح.

" فتح الباري " (3/ 246).

ثانياً:

وقد ردَّ هذا القول بعض أهل العلم – كالإمام ابن عبد البر – وقالوا: إن الآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، وليس ثمة أوامر ونواهي في الآخرة، وأُجيب عن هذا الاعتراض بردود مجملة، ومفصَّلة، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن كثير – وغيرهما – ردوداً مجملة، وردَّ الإمام ابن القيم ردّاً مفصلاً أوصل وجوه الرد إلى تسعة عشر وجهاً.

أ. أما الردود المجملة: فملخصها: وجود امتحان في القبر، وفي عرصات القيامة، وأما كون الآخرة ليست دار تكليف فنعم، لكن بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.

1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عَرَصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟، وقال تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) الْآيَةَ، وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله لعباده في الموقف إذا قيل: (لِيَتَّبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَيَتَّبِعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، وذكر قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) الْآيَةَ.

" مجموع الفتاوى " (4/ 303، 304).

2. وقال الإمام ابن كثير – رحمه الله -

وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل، ولا ابتلاء، فكيف يكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها؟!.

وأجاب عن ذلك ببيان قوة الأحاديث الواردة في الباب، كما نقلناه عنه سابقا، ثم قال: وأما قوله: " إن الآخرة دار جزاء ": فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة مِن امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) ن/42، وقد ثبتت السنَّة في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق: فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد السجود: خَرَّ لقفاه.

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها: أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً، ويقول الله تعالى: (يا ابن آدم، ما أغدرك!) ثم يأذن له في دخول الجنة.

وأما قوله: " وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ ": فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف، وأدق من الشعرة، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم، وأعظم.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير