تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وقد تمسكت تلك القبائل العربية بهذه النظم البسيطة القائمة على أساس تقديس رابطة الدم والعشيرة. ومن تلك النظم اصطلاحهم على أن القتل أنفى للقتل، وتعني أن القاتل يجب أن يقتل كي لا تقع جريمة أخرى يذهب ضحاياها أبرياء. ومن هنا نشأ عندهم نظام الأخذ بالثأر والذي اتسم بكثير من مظاهر العنف والقسوة والظلم في غالب الأحيان، مما نجم عنه حروب طاحنة عرفت بأيام العرب (1).

ولم يعرف العرب في الجاهلية نظام القصاص بمفهومه في الإسلام، بل كانت بعض القبائل لا ترضى بالواحد مقابل قتيلهم، وكذا في الجروح كانوا يطالبون بالزيادة. فالقصاص لم يكن قائماً عندهم على أساس المماثلة بين الجريمة والعقاب، بقدر ما هو قائم على التفاضل والتمييز الطبقي الذي لم تكن تنظمه علاقة ثابتة أو قاعدة مطردة.

أما الشريعة الموسوية، فقد كان المبدأ المتبع لديهم هو القصاص دون الدية. فالنفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن، ويد بيد ورجل برجل وحرق بحرق وجرح بجرح ورض برض، فالعقوبة توقع على الجاني وحده وإن كان حيواناً (1). وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله عز وجل لهذه الأمة: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى" بالأنثى" فمن عفي له من أخيه شيء http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF الآية، فالعفو قبول الدية في العمد .. فقد كتب على أهل التوراة من قتل نفساً بغير نفس حق أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا يقبل منه الدية وفرض على أهل الإنجيل أن يعفى عنه ولا يقتل، ورخص لأمة محمد إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا (2).

المبحث الثاني: القصاص في النفس:

بعث الحق سبحانه الأنبياء والرسل بمبادئ متفق على أساسياتها، وقواعد لا تستقيم حياة العالم بغيرها، ومن ذلك دفع الظلم والعدوان على الغير إحقاقاً للحق وإشاعة للخير والفضيلة التي تكفلت بها جميع الأديان السماوية الآتية من مشكاة واحدة.

إلا أن النفوس تتفاوت في الاستجابة لداعي الخير والحق، وتتباين في الالتزام بأحكام الشريعة المثلى. ومن ذلك ما يحدث بين الأفراد والجماعات من نزاعات وخصومات قد تصل إلى حد التعدي على الآخرين، بل إزهاق الأنفس والأرواح. وعلى هذا فقد سنّت الشرائع السماوية القصاص في النفس وما دونها. وتشريع القصاص أدعى للزجر وكف الأذى عندما تستعصي نفس الفاعل عليه، وتنغلق أمامه دواعي الردع عن ارتكاب هذه الجريمة أو تلك.

وقد حرّم الله سبحانه الاعتداء على الأنفس بغير حق، بل عده من أشنع المفاسد فهي تهدم المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه منظومة الاستخلاف والعمران الحضاري على الأرض، وتهدد الأمن والاستقرار، اللذين لا تقوم حضارة ولا تنتعش بدونهما مهما توافر لها من أسباب النجاح.

قال تعالى: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(1). وقال في موضع آخر في سياق الحديث عن حكم القتل في الشريعة الموسوية التي لم تختلف فيها النظرة إلى هذه الجريمة، والحكم على فاعلها: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF من أجل ذلك كتبنا على" بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(2).

وعلى أساس هذا التحريم الإلهي الصريح في الشرائع السماوية لجريمة الاعتداء على النفس، والأطراف التي لم تبح بأي شكل من أشكال الاعتداء في أية ديانة، رتب الشارع على مرتكبيها جزاءً دنيوياً يتلاءم مع الجريمة ويناسبها ليكون أدعى للزجر والردع وهو القصاص.

أولاً: معنى القصاص

من معاني القصاص المساواة بإطلاق، والتتبع ومنه قص أثره بمعنى تتبعه؛ لأن المقتص يتبع جناية الجاني فيأخذ مثلها، يقال اقتص من غريمه واقتص السلطان فلاناً من فلان أي أخذ له قصاصه ويقال استقص فلان فلاناً طلب منه قصاصة (1). والقصاص أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل (2). والقصاص القود، وقد أقص الأمير فلاناً من فلان إذا اقتص له منه فجرحه مثل جرحه أو قتله (3).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير