تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

"وهذا الكلام منه رحمه الله تعالى رحمة واسعة، أشكل على بعضهم كيف يقول بلا كيف ولا معنى؟ وحقيقة هذا اللفظ الذي ورد عنه أنه يوافق مذهب المفوّضة، والمفوضة طائفة كانت تقول نؤمن بالألفاظ بلا معاني، يعني نفوض المعنى والكيفية جميعا، وهذا معتقد باطل وبدعة شنيعة، وإنما الواجب تفويضُ العلم بالكيفية، أما المعنى فهو ظاهر لأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين، فإذا كان أهل السنة والجماعة يؤمنون بالألفاظ والمعاني؛ يعني بما دل عليه اللفظ من كلام العرب، فكيف إذن يُحمل كلام الإمام أحمد بقوله (بلا كيف ولا معنى) وهذه أيضا مما أُخذ على المؤلف حيث لم يُوضِح المراد من كلام الإمام أحمد.

وأهل العلم يقولون إن الإمام أحمد أراد بقوله (بلا كيف ولا معنى) الرد على طائفتين:

1. الطائفة الأولى المشبهة المجسمة رد عليهم بقوله (بلا كيف) يعني الكيفية التي تتوهمها العقول، أو وَصَفَ اللهَ جل وعلا بها المجسمة أو الممثلة.

2. وقوله (ولا معنى) ردّ بها رحمه الله على المعطلة، الذين جعلوا معاني النصوص على خلاف الظاهر المتبادر منها، فقالوا إن معنى النزول الرحمة، وقالوا إن معنى الاستواء الاستيلاء، وقالوا إن معنى الرحمة الإرادة؛ إرادة الإحسان أو إرادة الخير، وإن الغضب معناه إرادة الانتقام ونحو ذلك فهذا تأويل منه.

فالإمام أحمد يقول (بلا كيف) الكيف الذي جعله المجسمة، (ولا معنى) الذي جعله المعطلة، يعني المعنى الباطل الذي صرف الألفاظ إليه المبتدعة المؤولة. فإذن قوله (بلا كيف ولا معنى) يريد بقوله (ولا معنى) المعنى الباطل الذي تأول به وإليه المبتدعة نصوص الصفات والنصوص الغيبية.

وهذا نأخذ منه قاعدة مهمة: وهي أن طالب العلم الذي يعتني بأمر الاعتقاد يجب عليه أن يفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة تماما، فإذا فهمه وورد بعد ذلك ألفاظ مشكلة عن الأئمة, عن التابعين, من تبع التابعين، عن بعض الأئمة فإنه بفهمه للاعتقاد الصحيح سيوجّه معناها إلى معنىً مستقيم، لأنه لا يُظن بالإمام أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة الذي حكم بالبدعة على المفوضة أنه يقول (ولا معنى) يعني ليس للآيات والأحاديث معنى يفهم بتاتا، فإذن فهمُك لأصول الاعتقاد وأصول ما كان عليه أهل السنة والجماعة، وضبطُك لذلك، به يمكنك أن تجيب على كثير من الإشكالات، ونحن في هذا الزمان ربما كتب بعض الناس كتابات في أن السلف يقرّون التأويل، وأنه وُجد التأويل للصفات في زمن الصحابة، أو وجد في زمن الصحابة من ينكر بعض الصفات، أو وجد في التابعين من يؤول، والإمام أحمد أوَّلَ، ونحو ذلك، وهذا من جرّاء عدم فهمهم لأصول أهل السنة والجماعة، وابتغاء الفتنة، وابتغاء التأويل الذي وصف الله جل وعلا به الزائغين، وإذا فهمت الصواب وفهمت المنهج الحق والاعتقاد الحق فإنه يمكن بذلك أن تجيب عن ما ورد عن بعض أئمة أهل السنة من ألفاظ ربما خالف ظاهرُها المعتقد، أو ظُن أن فيها شيء من التأويل، يمكن أن تجيب عليها بأجوبة محققة واضحة" انتهى كلامه حفظه الله تعالى.

وقال الشيخ يوسف الغفيص حفظه الله في شرح اللمعة:

"هذا الكلام نسبه الموفق للإمام أحمد رحمه الله، يقال فيه: إن ما نسبه الحنابلة -أو غيرهم ممن ينسب إلى أئمتهم من الكلام - يكون على وجهين: تارة يكون الكلام نصاً، وتارة يكون الكلام فهماً.

في مذهب الإمام أحمد خاصة إشكال في نقل أصحابه عنه في العقيدة، وهذا الإشكال مُحصَّله أن جملة من الحنابلة فهموا مذهب الإمام أحمد في الصفات فهماً، وجملة فهموا فهماً آخر، فصار بعضهم يلخص فهمه وينقله عن الإمام أحمد، لهذا مَثَلٌ ذكره الإمام ابن تيمية ننبه إليه ليفقه مثل هذا التقرير في نقل أقوال الأئمة.

أبو الحسن التميمي من الحنابلة صنَّف كتاباً في عقيدة الإمام أحمد، وجعل هذا الكتاب على لسان الإمام أحمد، فجعل يقول – مثلاً-: وكان أبو عبد الله يقول .. ثم يأتي بجمل، وكان أبو عبد الله يذهب إلى كذا وهكذا .. هذا النقل لم ينقله برواية عن كبار أصحاب أحمد: كحنبل أو كعبد الله أو كصالح أو أمثال هؤلاء، إنما هو فقه فقهه التميمي، فنقله على لسان الإمام أحمد محاكاة، والتميميون من الحنابلة في الجملة متأثرون بالكلاَّبية، بمعنى: أنهم يؤولون صفات الأفعال، ولهذا لما جاء لقول الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] قال: وكان أبو عبد الله

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير