تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

يشركون " [النحل:54 - 55]، و قال - تعالى -: " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الإنسان كفوراً " [الإسراء:68]، و قال – تعالى -: " وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل و جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار " [الزمر:9]، و قال – تعالى -: " وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " [العنكبوت:65].

قال ابن جريرٍ – رحمه الله - (ت310) في تفسير آية الإسراء: " يقول - تعالى ذكره -: وإذا نالتكم الشدّة والجهد في البحر "ضلّ من تدعون" يقول: فَقَدتُمْ من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، و جار عن طريقكم؛ فلم يغثكم، و لم تجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم: دعوتموه، فلما دعوتموه؛ و أغاثكم، و أجاب دعاءكم، و نجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر: أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد، و البراءة من الآلهة، و إفراده بالألوهية؛ كفراً منكم بنعمته " ا. ه. ["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"9/ 123]

و قال – رحمه الله - في تفسير آية العنكبوت: " يقول - تعالى ذكْرُهُ -: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق و الهلاك فيه " دَعُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ " يقول: أخلصوا لله عند الشدّة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، و أذعنوا له بالعبودة، و لم يستغيثوا بآلهتهم و أندادهم، و لكن بالله الذي خلقهم " فلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى البَرّ " يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلَّمهم، فصاروا إلى البرّ إذا هم يجعلون مع الله شريكاً في عبادتهم، و يدعون الآلهة و الأوثان معه أرباباً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:" قوله: " فَلمَّا نجاهُم إلى البَر إذَا هُمْ يُشْرِكُونَ " فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك " ا. ه. ["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"11/ 13]

واستجابته – تعالى - للكافر تكون في أمور الدنيا، و أما في الآخرة فما لهم فيها من نصيب؛ لعدم تحقق شرط القبول منهم – و هو الإيمان -، قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله - (ت751): " التوحيد مفزع أعدائه و أوليائه:

فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا، و شدائدها: " وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " [العنكبوت:65]، و أما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا و الآخرة، وشدائدها، ولذلك فزع إليه يونس؛ فنجاه الله من تلك الظلمات، و فزع إليه أتباع الرسل؛ فنجوا مما عُذِّبَ به المشركون في الدنيا، و ما أُعِدَّ لهم في الآخرة.

و لما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك، و إدراك الغرق لم ينفعه؛ لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل؛ هذه سنة الله في عباده.

فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ و لذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، و دعوة ذي النون –التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد -، فلا يلقي في الكُرَب العظام إلا الشرك، و لا ينجي منها إلا التوحيد؛ فهو مفزع الخليقة، و ملجؤها، و حصنها، و غياثها، وبالله التوفيق "ا. ه. ["الفوائد" ص69 - 70]

و أما قوله – تعالى -: " و ما دعا الكافرين إلا في ضلال " [الرعد:14] فالمراد: دعاؤهم أوثانَهم و أصنامَهم من دون الله –تعالى - كما يدل عليه سياق الآية، و بالله التو فيق.

تنبيه: " لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة: أنَّ الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد و الأهوال خاصةً يخلصون العبادة له وحده، و لا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق، و في وقت الأمن و العافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده - التي هي عبادته وحده - في جميع أنواع العبادة؛ و يعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم: "الإسلام" أسوأ حالاً من عبدة الأوثان؛ فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، و غشيتهم الأهوال، و الكروب التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أنَّ الله - جل وعلا - أوضح في غير موضع: أنَّ إجابة المضطر، و إنجاءه من الكرب من حقوقه - التي لا يشاركه فيها غيره -، و من أوضح الأدلة في ذلك قوله - تعالى - في سورة "النمل ": "ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـ?هٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـ?هٌ مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّو?ءَ " [النمل:59 - 62] الآيات، فتراه - جل وعل ا- في هذه الآيات الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا، و كشف السوء عنه من حقه الخالص - الذي لا يشاركه فيه أحد - كخلقه السموات والأرض، و إنزاله الماء من السماء، و إنباته به الشجر، و جعله الأرض قراراً، و جعله خلالها أنهاراً، و جعله لها رواسي، و جعله بين البحرين حاجزاً، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه، و عجائبه - التي لا يشاركه فيها أحد -، سبحانه و تعالى عن ذلك علواً كبيراً " ["أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشنقيطي، وانظر:"كشف الشبهات"ص4].

http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?p=559&posted=1#post559

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير