تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

1– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة الولي فحسب. أي للولي (وقيل الأب خصوصاً) تزويج المرأة لمن أراد: شاءت أم أبت. وأجمعوا على هذا في الصغيرة غير البالغة (عند من أجاز نكاحها، وهم الجمهور). على أن البعض قال بتخييرها عند البلوغ، قياساً على الجارية التي تخيَّر عند إعتاقها. وجعل بعضهم هذا الزواج القهري للبكر فحسب (بالغة كانت أم صغيرة). وشذّ الحسن البصري وإبراهيم النخعي فأطلقاه في سائر النساء، وهو خلاف الحديث المرفوع المتفق عليه، فلعله لم يبلغهما. وقد روي عن إبراهيم خلاف ذلك.

هذا وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المرفوعة في النهي عن إكراه المرأة البكر والثيب على الزواج ممن لا تقبل به. فلا يحل لمسلم يتقي الله ويؤمن بالله وما أنزل إلى رسوله ? أن يفتي بهذا المذهب. كما أن فيه ظلمٌ وجورٌ للمرأة. فكيف تُحرم من تحديد شريك حياتها وتُكْره على معاشرة من تبغض؟ وليس هناك ظلم مثل أن تغيب المرأة عن الاختيار الذي سيلزمها طوال الحياة.

2– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة الولي والمرأة معاً، على أن يباشر هو عقدة النكاح. فأجمعوا (إلا قولاً شاذاً للحسن والنخعي) بأن الثيب لا يزوجها وليها بغير رضاها. وقال جمهور العلماء بأن البكر كذلك لا يزوجها وليها بغير رضاها. واحتجوا بحديث «لا تُنكَحَ الأيم حتى تُستَأمر، ولا تُنكَح البَكر حتى تُستأذَن» على ضرورة موافقة المرأة. مع العلم بأن كثيراً من العلماء جعلوا السلطان برتبة الولي (خاصة في حالة التنازع أو العضل).

3– مذهب من قال بأن النكاح يستلزم موافقة المرأة فحسب، بشرط أن يباشر عقدة النكاح رجل. ولا عبرة بموافقة أقرب العصبة إليها. هذا طبعاً إن زوّجت نفسها بكفء. أما حديث «لا نكاح إلا بولي» فقد أوّلوا الولي بأنه مِن تولية المرأة من الرجال: قريباً كان منها أو بعيداً. وهذا معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى عقد نكاح نفسها –وإن أمَرَها وليها بذلك– ولا عقد نكاح غيرها، ولا يجوز أن يتولى ذلك إلا الرجال. واحتجوا بحديث «الأيم أحق بنفسها من وليّها».

وروى مالك في الموطأ (2\ 555): عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ? زَوَّجَت حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام. فلما قدم عبد الرحمن قال: «ومثلي يصنع هذا به؟ ومثلي يُفْتَاتُ عليه؟» (أي يُسبَق في تزويج بناته من غير أمره). فكلمت عائشة المنذر بن الزبير. فقال المنذر: «فإن ذلك بيد عبد الرحمن». فقال عبد الرحمن: «ما كنت لأرد أمراً قضيته». فقرت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً. ورواه سعيد بن منصور في سننه (1\ 429) عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بنحوه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة من هذا الطريق. وفيه أن عبد الرحمن غضب، وأنا أمنا عائشة ? غضبت من إنكاره.

ومن الأدلة المشهورة قصة زواج بحرية بنت هانئ من القعقاع بن شور، رغم معارضة أبيها الذي كان مسيرة يوم في البادية، وقد أجاز علي ? ذلك النكاح. والقصة مشهورة رواها أبو قيس الأودي (جيد ربما خالف) عن هزيل بن شرحبيل (ثقة مخضرم) عن علي بن أبي طالب ?. ورواها أبو إسحاق الشيباني (ثقة ثبت فقيه) عن بحيرة نفسها، وعن زوجها القعقاع، كلاهما. تجد أسانيدها في المحلى (9\ 454) ومصنف عبد الرزاق (6\ 197).

وقد احتار الشافعية في كيفية رد هذه القصة. فقال البيهقي: «وهذا الأثر مختلف في إسناده ومتنه. ومداره على أبي قيس الأودي وهو مختلف في عدالته. وبحرية مجهولة». قلت: كلا ليس كذلك، فطرقه الصحيحة تشهد لبعضها البعض، وتقوي المتن الذي ذكرناه. وأما كثرة الطرق فهي تدل على شهرة القصة. وأما أبو القيس فلم يختلف أحد في عدالته وصدقه وصلاحه، وإنما انتقدوا له بعض الأحاديث التي خالف بها كحديث المسح على الجوربين. وهذا القصة فيها ما يدل على ضبطه، عدا عن موافقته لما رواه الشيباني عن بحرية (وقيل: بَحِيرَة) والقعْقاع.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير