واما من الاحرام عن الميقات وتجاوزه دون احرام وهو عازم على الحج او العمرة فهل يجبر ذلك بدم ويصح نسك فليس بمحل اجماع بل فيه خلاف مبسوط في كتب الفقه فمن العلماء من قال عليه ان يرجع ويحرم ولا شيئ عليه ومنهم من قال لا يسقط عنه الدم ولو رجع فاحرم من جديد ومنهم من يقول ان لم يرجع ولم يجدد احراماولا نية فلا حج له ولا نسك وهذا راي الظاهرية ومنهم من قال لا شيئ عليه بترك ذلك وهم من اهل السنة بلا شك الحسن والنخعي وعطاء قالوا لا شيئ عليه على من ترك الميقات.
ثانيا: لا يصح ان يقال ان راكب السفينة مر بالميقات لاستحالة ذلك عادة ولكن يقال فيه حاذى الميقات فالمواقيت المعينة من الرسول عليه الصلاة والسلام كلها في البر وليس فيها شيئ في البحر
فكلمة المحاذاة هي التي تقال في راكب السفينة وبها جاء نطق الامام مالك في رواية الموازية وهي الكلمة الواردة في كلام خليل وشراحه
وقد تقدم الكلام على مشروعية الاحرام بالمحاذاة ومذاهب العلماء فيه فمنهم من يوجبه بالمحاذاة ومنهم من لا يقول به ويبيح لمن لم يمر بالميقات ان يحرم من حيث انشا النسك وهو المذهب الذي اخذ به الظاهرية ورجحه ابو محمد بن حزم وهو الذي يتخرج عليه ما حكاه ابن جبير عن حجاج عصره في القرن السابع هجري
ثالثا كلام مؤلفي الحنفية في هذا المقال كله في اجتياز الميقات والمرور به دون احرام لا جدال فيه وليس فيه ما يفهم حكم من لم يمر به ولا حاذاه فنحن لا نقول الا بمثل قولهم فيمن كان من اهله او اتتى عليه ممن ليس من اهله وراكب البحر والجو لا يصدق عليه انه مر به ولكن قد يصدق عليه انه حاذاه
رابعا: كذلك ما نقله عن الشافعية يصدق عليه ما قلناه عما نقله عن الحنفية وما قاله النووي عن الشافعي اذا انتهى الافاقي الى الميقات وهو يريد الحج او العمرة او القران حرم عليه مجاوزة الميقات غير محرم بالاجماع هو الحق المتفق عليه بين ائمة المذاهب
وهو نص الشافعي على انه اذا انتهى الى الميقات وهو يريد نسكا فهل يقال ان راكب السفينة انتهى الى الميقات المعين وهو بالبحر او يقال حاذاه وهل يصح ان يصادق الامام النووي على حصول الاجماع على وجوب الاحرام بالمحاذاة من البحر وهو عارف بدون شك بمذهب مالك والمالكية وراي الامام في الاحرام من السفن؟ فمثله لا يجهل ذلك ولا يجازف بحكاية اجماع يخالفه قول مالك
خامسا: المنقول من كلام الحنابلة كالمنقول من غيرهم المالكية والحنفية والشافعية وقول ابن قدامة ان من تجاوز الميقات مريدا النسك غير محرم فعليه ان يرجع اليه بيان لمذهب الحنابلة في وجوب رجوعه وسقوط الدم عنه ان رجع فاحرم من الميقات
وقوله من تجاوز الميقات دليل على انه وصل اليه ووقف عنده واتى عليه وهذا لا كلام لنا فيه انما الكلام في راكب البحر وهولا يمكن ان ياتي عليه انما -يمكن_ ان يحاذيه ومثله راكب الطائرة في الجو
سادسا: وقوله نعلم من المذاهب الاربعة الاجماع على وجوب الاحرام من الميقات للافاقي المريد الحج او العمرة او القران وانه يحرم عليه ان يتجاوزه غير محرم
كلام مسلم لا نزاع فيه ولا جدال ولكن الجدال فيمن لم يات على الميقات ولم يمر به اصلا وانما حاذاه برا وبحرا فهذا ليس فيه اجماع بل اختلف فيه العلماء وممن خالف فيه الامام مالك واصحابه
فقال مالك لا يحرم راكب السفن اي مادام في السفينة فلا احرام عليه وفي الرواية الاخرى في الموازية له ان يحرم وعن الظاهرية وكثير غيرهم لا يحرم بالمحاذاة في البر فمن لم يكن من اهل الميقات ولم يات عليه ولا مر به فله ان يحرم من حيث شاء عندما ينشئ النسك من قريب او من بعيد فهو ميقاته فدعوى الاجماع باطلة مزورة مردودة بمخالفة مالك واصحابه في الموضوع
سابعا وقول صاحب المقال اذا علمت ماذكرنا فاعلم ان الفتوى التي صدرت ونشرتها مصالح الشؤون الدينية بالقطر الجزائري بصحة مجاوزة المتوجه الى مكة عن طريق الجو الميقات وتاخير الاحرام الى جدة خارجة عن اجماع الائمة الاربعة ومصادمة للنصوص الشرعية والقوانين الدينية فلا يصح العمل بها ولا الحكم بما فيها"
هذا القول تافه في قيمته شائل في ميزان التحقيق ولكنه خطير في قيمته السياسية وان بلغه الشيخ الامام ساكن الحمام وهوما جعلنا ننشد قول المتنبي السابق في طالع المقال
¥