تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وَأَلْعَابُكَ اشْتَاقَتْ إِلَيكَ وَهَالهَا غِيَابُكَ عَنْهَا مَيّتٌ وَهْيَ لَا تَدْرِي

يَتَامَى يَكْسّرْنَ القُلُوبَ هَوَامِدٌ وَلَمّا يَصِلْ أَسْمَاعَها فَاجِعُ السّرِ

سريره وهو مُسجّى، لفافته البيضاء، أنفاسه اللاهثة المبهورة، جنازته الصغيرة محمولة من الرياض إلى بريدة , حيث يُوارى في مدفنه .. مشاهد متعاقبة, لم تدركها عينه؛ فصوّرها خياله بعدسة مبدع محترف، وصار يستعيدها كلما أوى إلى فراشه، وانفرد عمن حوله، وإذا حُبس الجسد اتسعت العين:

تَمَنَّيْتُ لَوْ تُغْنِي الْأَمَانِي نَظْرَة إِلَى جَسَدٍ ذَاوٍ يُغَرْغِرُ بالبَهْرِ

تَمَنّيتُ حَتّى وَقْفَةً عِنْدَ نَعْشِهِ تَرُدُ إِلَى نَفْسِي الّذِي ضَاعَ مِنْ صَبْرِي

تَمَنّيتُ مَا نَالَتْ أُلُوفٌ تَوَجَّهَتْ إِلَى رَبِّها صَلّتْ عَلَيكَ مَعَ العَصْرِ

تَمَنّيتُ كَفّاً مِن تُرَابٍ أَسُنُّهَا عَلَى قَبْرِكَ الميمُونِ طُيب مِن قبرِ

تعتريه حالة وجد وغضب على وسيط لم يشاطره الألم, ولم يُخلص في نقل الرسالة في إلقاء النظرة الأخيرة على فقيده، فيرمي بالحفنة إليه ..

فَإِنْ لَم يُحالِفْني الزَّمَانُ فَإِنَّهَا عَلَى أَوْجهِ الْمُستلئِمينَ عَلَى الْغَدْرِ

وَفِي أَعْينِ السَّاعِينَ بِالضِّر وَالْأَذَى ........................

عَتْب عابر , تحوّل بَعْدُ إلى مزاح طريف، وقرر حذفه من القصيدة مع أبيات تشبهه.

يأتي محمد طيّب النفس، عليل الجسد، وأخواله يتندرون على عناده وصلابته، الذي يرفض بإصرار أن يتفحّص الطبيب أو الممرضة الجبس الذي على فخذه، وهناك في ركن الغرفة كرسي فارغ في حالة إجهاش وانتحاب.

يشيح بوجهه، ويقرر أن يفرح بهذا الوجه الصبوح الذي أبقاه الله له، وانتزعه من بين براثن الموت، ليكون هو الدفء والحنان والحميمية لأبٍ يرى وجه فقيده في وجوه كل الأطفال.

المخدّة وحدها شاركته حزنه الصامت، وخرائط الأحزان فوقها وجه عبد الرحمن، وعلى نار الحزن تنبت الحكمة.

صورة الطفولة المبكّرة تعتاده، وتبعثر صبره، يغوص في التفاصيل، القماط الذي كان يُلفّ به، والفراش الذي كانت الطفولة تبلله، والملحفة التي كان يتدثر بها ويتعلق بها، الخطوات الأولى المتعثّرة، نظرات العيون، الذكريات الساخرة، عامل البقالة البنغالي الذي يعطف عليهم حيناً، ويتبرم بهم أحياناً ويصرخ:

- أنتم بزارين!

- تهجم عليه القصيدة بغتة ذات مساء، فينهض من وسادته حيث لا قلم، إلا البطارية، يعمدون إلى مكينة الحلاقة، ويستخرجون شيئاً كقلم الرصاص، ويدونون الأبيات.

أحدهم رأى في منامه, أن دمعة خرجت من عين الوالد المكلوم، فأخبره المعبّر أنه سيقول قصيدة في وداع ولده.

يخرج المخطوط متنكراً مع أخته "منيرة", ليدخل غرفته علانية, عبر إحدى الصحف المحلية " بحسن نية ", ويشاركه صاحبه د. سفر الحوالي أحزانه في قصيدة معارضة, يذكر فيها:

ثلاثون ألفاً في جنازة يافعٍ طريرٍ حديث العهد بالمهد والثغرِ

يستعيدها منه رفاقه وحرّاسه، وهو يتغنى بها بصوت شجي، والدموع تترقرق من عيونهم.

ليس شاعراً، ولا حزيناً، ولكنها الدمعة التي لا يؤاخذ الله بها .. كانت تلك القصيدة الدمعة مناحة شعرية لكثير من المحبين, الذين تلوها وحفظوها وغنوها وأبكى لأجلها آخرين.

عندما قابل الدكتور غازي القصيبي - وهو الشاعر الناقد- وجده معجباً بالقصيدة، فردّ عليه:

- إنها من شعر الفقهاء!

أجاب الدكتور: ليس فيها من شعر الفقهاء سوى قولك:

قَعَدتَ بِحِجْرِي وَالسُّرُورُ يَلفّني وَشَنَّفْتَ سَمْعِي تَالِياً سُورةَ العَصْرِ

يكفي عنده مسوغاً للعناية بالطفولة أن عبد الرحمن مقيم فيها لا يبرح؛

فيا رب من أجل الطفولة وحدها أفض بركات السلم شرقاً ومغرباً

وصن ضحكةَ الأطفالِ يا ربّ إنها إذا غرّدتْ في موحش الرمل أعشبا

وياربّ حببْ كلّ طفل فلا يرى وإن لَجّ في الإعنات وجهاً مقطّبا

وهيّىء له في كل أمرٍ صبابةً وفي كلّ لُقيا مرحباً ثم مرحبا

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير