تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ومن المسائل التي لا يزال يجادل حولها الغُمْر، مسألة إطالة شعر الرأس واعتقاد ذلك قربة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا حتى عقد غدائر وجعلها أربعا كما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم، فإن أُنكر عليه تفعلل وافتعل وفتح بالجهل باب الجدل وادعى السنة والتمسك بها ورماك بالبدعة وهشاشة الدين؛ وكأنه قد طبّق السنن برمّتها فما بقي له إلا مثل هذه الأمور.

وقد عاينت يوما مثل هؤلاء وقد عزم على عقد رأسه وغلق رأسه، فبينتُ له العادة و ما مشى عليه العلماء والسادة وأن الأمر متعلق بالزمان واختلاف المكان، وليس لنا إلا موافقة الجمهور مع عدم مخالفة المأمور، و لكن الرجل بليد الفكر لا يفرق بين الوكع والكوع؛ متشبِّثٌ بحديث واحد لا يعرف مدلوله ولا يعي مفهومه، وهذا والله هو التشديد المنهي عنه كما قال شيخ الإسلام:" ... أن تتخذ ما ليس بواجب ولا مستحب واجبا ومستحبا في العبادات." (5) فاستعنت بالله تعالى في جمع ما ذكره أئمتنا من باب الفائدة،، وبيان العوائد المرجوة من وراء ذلك، وإنما غرضي الجمع والترتيب لا غير و الله الموفق لما يحب و يرضى.

خطة البحيث:

ـ بيان اختلاف عادات الناس وتغيرها بتغير المكان والزمان.

ـ الكلام حول حديث أم هانئ رضي الله عنها في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة.

ـ ضفر الشعر عند العرب.

ـ مسألة حكم ضفر الشعر.

ـ نتائج البحيث.

بيان اختلاف عادات الناس وتغيرها بتغير المكان و الزمان

من المعلوم أن الأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله تعالى (6).

ودليل القاعدة الأولى قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعام: 57) وقوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40) وقوله عز وجل: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف: 67) فالحكم لله تعالى وحده هو المشرع له، لا يشاركه في ذلك أحد، فإن من تمام ربوبيته سبحانه وتعالى الانفراد بالتشريع فلا يمكن لأي أحد ولا ينبغي لأيٍّ كان مهما كان حتى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقد للناس عبادة من دون الله تعالى، لأن العبادات مبناها على التوقف وإذن الله لها مع ترتيب الجزاء على فعلها أو تركها، فكل ذلك لله وحده لا شريك له، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى: 21).

وأما دليل القاعدة الثانية في قوله تعالى:" (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199) وكذلك ما روي عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من قوله (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح) (7) فجعل الفقهاء رحمهم الله تعالى هذا الأصل عمدة، وبنو عليه الكثير من المسائل، وأدرجوه في كثير من أبواب الفقه، ولذلك قال ابن نجيم: (واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا) (8) ولا تزال كتب القواعد تشهد لهذا الأصل بعبارات وافية وصيغ مختلفة كقول الأئمة (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) و (والعادة محكمة) و (الثابت بالعرف كالثابت بالنص) وغير ذلك من الصيغ التي تنصبُّ في مسلك العرف واعتباراته.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير