تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[حاجة البشر إلى الرسالات السماوية]

ـ[أسامة عبد العظيم]ــــــــ[02 - 08 - 10, 02:46 م]ـ

((حاجة البشر إلى الرسالات السماوية))

خلق الله عز وجل الإنسان، وأوجد بداخله الشهوات، وأحاطه بالمغريات، ووهبه العقل الذي يستطيع أن يميز به بين الأشياء، فيفعل أحسنها ويترك خبيثها، وارتقى الإنسان بقوة عقله إلى أعلى المراتب، وهام بفكره في شتي بحور المعرفة، وتطاولت شهوات عقله بحثا للوصول إلى أسرار الكون، وأسرار العلوم، إلا أن هذه العقول سرعان ما تصغر وتتضاءل متي عُرض عليها أمر لا تعرف له سببا، أو تدرك له منشأة، لذا فقد ساقته فطرته إلى الشعور بقاهر تنساق النفس إلى معرفته، وأن هناك قوة أرفع من قوته، وقوة ما ظن غلبته عليه من حوله.

إن هذا الشعور ملازم للغريزة البشرية، فكل نفس تشعر وكأنها مسوقة إلى معرفة هذه القوة العظمي ـ التي تهيمن على كل ما في الكون ـ فتسعى إلى طلبها، إما بحسها أو بعقلها، فمنهم من ظنها في بعض الحيوانات، إما لشدة نفعها كعبّاد البقر أو لشدة ضررها كعبّاد الأفاعي، ومنهم من ظنها في بعض الظواهر الكونية كالشمس والقمر، كما كان حال ملكة سبأ وقومها قبل إسلامها مع سليمان عليه السلام، ومنهم من تضاربت عليه الأمور فاتخذ مما يصنع آلهة يتقرب بها إلى الله سبحانه، كأصنام العرب قبل الإسلام، ومنهم من عبد النار، ومنهم من عبد الأشجار، ومنهم من لم يكلف نفسه البحث عنها، فأسلمه عقله إلى شهواته، فإن عقول البشر متفاوتة، والتفويض إليها يؤدي إلى الشقاق والنزاع بسبب اختلافهم حول خالقهم، بل وربما الضياع وهم يبحثون عن الحقيقة، لذا وكما مَنّ الله عز وجل على الإنسان بالعقل يدّبر به أمور معيشته وميزه به عن غيره، مَنّ عليه بأن اصطفى له من بين أفراده هاديين ومرشدين، ميزهم بخصائص أفردهم بها عن أهل زمانهم، وأيدهم بمعجزات تخاطب عقل العاقلفترده إلى رشده، وتبهر بصر الجاهل فتحدد له وجهته.

قال الدكتور عبد الحليم محمود في هذا الشأن " إن الرسالات كلها ضرورية للناس، لأن عقل الإنسان وحده لا يستطيع أن يلم بكل الحاجات ولا يملك جماح الشهوات والمغريات"

وهنا يتضح لنا حاجة البشر إلى هداية النبوة في ثلاثة أمور لا يمكن لمعارفهم المكتسبة بالحواس والعقول الإلمام بها:

أولها) بيان حق الله تعالى على العباد: من وجوب الإيمان بوجوده ووحدانيته وكماله، وبيان صفاته التي لا يُشارك فيها، وتنزيه لذاته وإظهار سلطانه القاهر فوق عباده، فالعقل البشري الذي أيقن أن للكون قوة عُظمى تتحكم فيه وتهيمن على كل شيء، أخذ في البحث عن هذه القوة العُظمى، لكنه وفى أثناء البحث عنها ضل الطريق، فتأولها فيما ظن قوته فيمن حوله من حيوانات، أو كواكب، أو غير ذلك، وعجزت العقول عن فهم هذه القوة العظمى، واختلف الناس في شأن خالقهم، والاهتداء إليه، فاصطفى الله عز وجل منهم من يرشدهم إلى صواب الأمر، ويُعلّمهم حقيقة الخالق سبحانه، فأرسل فيهم رسلا منهم، ترشد عقولهم إلى معرفة الله عز وجل، وما يجب أن يُعرف من صفاته ويجمعونهم على إله واحد لا يستحق أن يعبد سواه، ويعلمونهم كيف يتقربون منه بما شرع لهم من الدين دون وساطة من أحد من الخلق، وبيان ما به شكره، وما فيه رضاه، فيسلم الناس من الخلاف في شأن خالقهم، وتهتدي عقولهم إلى معرفته سبحانه.

ثانيها) بيان ما يجب على الناس اعتقاده ببقاء النفس الإنسانية بعد الموت وأن لها حياة أخرى بعد الحياة الدنيا، لها مقاييس مختلفة، يحاسب فيها البشر على أعمالهم طيبها وخبيثها، واعتقاد الحياة بعد الموت إلهام أوجده الله في نفوس البشر، إلا أنهم تباينوا في تصوير هذا البقاء، وفيما تكون عليه النفس فيه، ولأن الله قد وهب الإنسان العقل والتفكير اللذان هما عماد بقائه في هذه الحياة، فإن النفس البشرية صارت مفطورة على رفع الحُجب عن هذه الحياة المستقبلية، ومعرفة حال الإنسان فيها، فكان أن جعل الله من مراتب النفس البشرية مرتبة يُعِد لها بعض من خلقه يبلغ بأبدانهم إلى التمام، وأرواحهم إلى الكمال، ويهذب عقولهم، فتشرف على الغيب بعلمه سبحانه، ويعلمون تفاصيله وكأنهم قد رأوها رأي العين، يكشف لهم من أسرار الغيب ما إن انكشف لغيرهم لضلت عقولهم، وأمرهم بتبليغ الناس عن أحوال الدار الآخرة، بما تحمله طاقة عقولهم، وما تدركه أفهامهم، وأن يبينوا للناس

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير