تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

النار." (1) قال النووي رحمه الله تعالى:" وقوله صلى الله عليه و سلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي: من هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممَّن لا كتاب له أولى والله أعلم." (2)

والمسلمون على اختلاف أقطارهم وأجناسهم ما هم إلا كالجسد الواحد لقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفِهِم وتراحُمِهِم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى" (3)، فالإسلام لا يرى بين أبنائه جهوية ولا عنصرية، فقد جمع بين المتباعدين وألف بين المتشاحنين، وربط بوثاقه بين المتخاصمين، فزالت الغل والأحقاد وتركت سيء العادات والآفات مصداقا لقوله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71) وقوله تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103) وقوله عز وجل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10) وقوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه." (4) وقد (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه) كما بوَّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جامعه وساق تحت الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في مؤاخاة عبد الرحمن بن عوف لسعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين (5)، حتى كان في العهد الأول إذا مات أحدهم يرثه الآخر كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ." (6)

ولتجدنَّ من أسمى القصص وأرفع الحكايات وأعز ما رُوي في الأُخُوة الحقيقية البيِّنة بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري عرض عليه أن يناصفه أهله وماله." (7) وفي رواية قال سعدٌ لعبد الرحمن:" قد علِمَت الأنصار أني من أكثرها مالا سأقسم مالي بيني وبينك شطرين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتَها." (8).

فيا لله من هذه الأخوة كيف كانت، ينصِّف ماله ويطلِّق إحدى زوجيه حتى يقاسم أخاه الخير كما هو في خيرٍ مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه." (9) ولهذا نعتهم الله تعالى بالرحمة النابعة من هذه الأخوة الدينية في قوله سبحانه (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير