تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

التدخل والاعتماد على الخبرة، ولكن لا ينطبق ذلك على أي جانب من الجوانب السلوكية للحياة التي تنظمها الدولة، بعكس ما يقوله المسيري.

على أي من الإسلاميين استند المسيري؟!

نستطيع القول إن العذر العام الذي يظلل مواقف الدكتور المسيري أن الرجل حديث الانتقال في نقده للحضارة الغربية من المنظور الاشتراكي الماركسي إلى المنظور الإسلامي، أو بشكل أكثر دقة إلى منظور فلسفي يبدو عاماً ولكنه يستبطن رؤية إسلامية أو تبدو أنها إسلامية، ومن ثم فإن تراكمه المعرفي يتشكل أساساً من التراكم المعرفي الغربي نفسه؛ ولهذا فإن منظوره الإسلامي لا يقوم إلا على بعض القواعد العامة، وربما غير المحددة، ويفتقد التراكم المعرفي الإسلامي لدرجة محزنة خصوصاً إذا تعلق الأمر بموقعه المتقدم المفترض في مواجهة الحضارة الغربية، مما ينعكس على مواقفه في الكثير من الحالات بغياب الرؤية الإسلامية المحددة أو ضبابيتها في مواجهاته الفكرية مع هذه الحضارة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من المشاكل حتى مع إقرارنا باشتراك المنظور الإسلامي والاشتراكي في بعض المواقف الناقدة للحضارة الغربية.

ولكل ما سبق كان من الطبيعي أن يحاول الدكتور المسيري الاستناد إلى بعض المفكرين الإسلاميين في تحديد موقف المنظور الإسلامي من العلمانية؛ ولأنه من الطبيعي أيضاً أن يتحدد استناده هذا بعاملين هما: محدودية تراكمه المعرفي الإسلامي وعزوفه الشخصي عن احتداد المواجهة في مواقفه السياسية، فقد وقع اختياره على تيار الوسط التوفيقي بين الإسلام والعلمانية، وهو ما أعتيد أن يطلق عليه في القنوات الإعلامية المرضي عنها بالتيار الوسطي! والذي يُعد الكاتب فهمي هويدي أحد أبرز رواده؛ ولذلك فقد كان هو الشخص الوحيد من المحسوبين على الإسلاميين الذي استند إليه المسيري في تعريفه للعلمانية، حيث يذكر عن هويدي أنه "يجعل نقطة انطلاقة ما سماه (المشروع القومي العام) وكل من يعمل على إنجاحه علمانياً كان أم إيمانياً فهو منا " أما من يقوضه ويفككه فهو خارج الصف. فالمعيار هنا - لا أدري إن كان هذا الكلام لهويدي أم تعليقاً من المسيري - ليس العلمانية أو الإسلامية وإنما الانتماء إلى الوطن. ويميز فهمي هويدي بين تيارين علمانيين يسميهما المتطرفين والمعتدلين (وهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين في مصطلحنا) ويُعرف المتطرفين بأنهم ليسوا ضد الشريعة وحسب بل ضد العقيدة أيضاً؛ فهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها. أما المعتدلون فليست لديهم مشكلة مع العقيدة، فهم يعتبرون أن الدين والإسلاميين حالة يمكن التعايش معها إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة للحيلولة دون ما يتصورنه "سلطة دينية". والأستاذ فهمي هويدي هو صاحب المقولة الشهيرة: "العلمانيون المعتدلون هم أقرب إلى الإسلاميين المعتدلين من الإسلاميين غير المعتدلين "! اهـ كلام المسيري. والنتيجة التي ينتهي إليها الاثنان معاً (هويدي والمسيري) هي كما يقول هويدي: "إن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة ويلتزم بنصوص الدستور المعبرة عن ذلك يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية وأن يكون شريكاً في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي، ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين سواء كانوا ليبراليين أو قوميين أو ناصريين أو ماركسيين "!

ويعلق المسيري على ذلك بقوله: "وإن الحوار بين فصائل الأمة المختلفة ممكن في إطار التعريفات الجزئية، أما التعريفات المادية الشاملة فإنها تسقط كل المرجعيات ولا تخلف لنا سوى الصراع في الداخل والتبعية لقوى العولمة في الخارج. ولعل الذين قرأوا مقال الأستاذ فهمي هويدي لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيدهم قبول التعددية التي تشمل التيار العلماني كانت موقفاً التقى عليه رأي آخرين من أهل الفقه والنظر؛ في مقدمتهم الدكاترة يوسف القرضاوي وأحمد العسال ومحمد سليم العوا وعبد الغفار عزيز وسيف الدين عبدالفتاح وأبو العلا ماضي وعادل حسين. ومما يجدر ذكره أن فهمي هويدي ليس وحيداً في موقفه هذا بل يمكن القول بأن هذا الرأي هو الرأي الممثل للتيار الإسلامي الأساسي ".

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير