تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أعتقد أن القارئ النابه لا يستطيع الآن أن يعرف -بعد هذا الذي سردته الآن- أين ذهب المسيري المفكر الفلسفي العميق؟

هل استغرقه الجهد في إيجاد مخرج للعلمانيين بهدف إيجاد مخرج لنفسه من الصدام مع النخبة الفكرية المسيطرة حتى ذاب تماماً في تيار السياسة؟!!

ولا بد أن ننظم الآن نقاط البحث حتى لا نذوب نحن أيضاً مع تيار السياسة هذا. ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو ليس قبول التعايش أو عدم التعايش مع هذه العلمانية المعتدلة التي تتطابق إلى حد ما - لاحظ إصرار المسيري على استخدام مثل هذه الألفاظ (إلى حد ما) حتى يحتفظ لنفسه دائماً بالقدرة على الإفلات من المحاسبة الفكرية الدقيقة مع العلمانية الجزئية- ولكن المهم بالنسبة لنا هنا هو هل هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة تتناقض مع الإسلام أو لا تتناقض؟

النقطة الثانية هي: هل هذه العلمانية الجزئية تخرج في شيء عن العلمانية الشاملة أم أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد ادعاء سياسي يتم التستر به على الموقف الحقيقي من الدين أمام المجتمع الإسلامي؟

في الإجابة عن النقطة الأولى، ما هي المرجعية لنا في ذلك: هل هو الانتماء للوطن أو الانطلاق من المشروع الوطني العام أو الموقف من الاستعمار؟ إن مثل هذه الأمور قد تصح كمعايير للتعاون في القضايا العامة وهذا أمر سياسي، ولكن ليس كمعايير لتحديد العلاقة بين العلمانية الجزئية والإسلام والتي لا يصح فيها إلا معيار واحد هو المرجعية الإسلامية التي تقرر أن الإسلام دين شمولي لا يقبل التجزئة ولا يقبل الاستعاضة عنه كمرجعية في أي أمر من أمور الحياة سواء كانت السياسة أو غير السياسة، فإذا كانت هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة لا تقر الإسلام على ذلك وتصر على تنحيته كمرجعية في مجال السياسة أو في أي مجال آخر فهي تتناقض تماماً مع الإسلام. أما الحديث عن إمكانية التعاون مع هؤلاء العلمانيين أو عدم التعاون معهم فهذا حديث آخر، ولكنه حديث من الخارج واستخدام ما قد يصح من مرجعية له كالموقف من الاستعمار أو الانتماء للوطن في تحديد العلاقة بين العلمانية المعتدلة والإسلام هو خلط ما هو سياسي بما هو عقائدي. ومن ثم فإن تولي مثل هذه الرؤية لا يؤدي إلا إلى المزيد من الارتباك في الواقع الفكري وينعكس سلباً على وضوح المواقف لدى الإسلاميين.

المسيري والعلمانيون العرب

يقول المسيري: "تتأرجح التعريفات العربية لمفهوم العلمانية بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراء جزئياً لا علاقة له بالأمور النهائية مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رؤية شاملة للكون". والذي يعنيه هذا الكلام هو عدم استطاعة تقسيم المسيري- الذي استمد مصداقيته من قدرته على التفسير- استيعاب هذه التعريفات أو تفسيرها. فماذا أدى المسيري به منهجه في التعامل مع العلمانيين العرب؟

يقدم حسين أحمد أمين (وما أدراك ما حسين أحمد أمين؟) فيقول عنه: إنه يُعرف العلمانية بأنها "محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة" ويعلق على ذلك قائلاً: "فكأن المرجعية النهائية هنا ليست علمانية وإنما مستمدة من نسق معرفي وأخلاقي آخر وكأن العلمانية تنحصر في الدائرة الصغيرة الجزئية". ثم يقول في موضع آخر "فكأن حسين أمين يرى أنه لا توجد ضرورة حتمية للصراع بين العلمانية والدين، وأن كل ما حدث هو صراع نتيجة ظروف تاريخية طارئة، وهناك بعض المفكرين الإسلاميين -ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ومن ثم استحالة احتكار الحقيقة- يتفقون في بعض النقاط الأساسية مع حسين أحمد أمين". لم يذكر المسيري من هم هؤلاء المفكرون الإسلاميون الذين يتحدث عنهم ولكن ذكر بعض الأوصاف التي تستخدم عادة كأكليشيهات سياسية دون أن يكون لها معنى محدد (ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد) المهم أنه بهذا الكلام الهلامي أعطى حسين أحمد أمين جواز مرور من عدم التصادم مع الإسلام!

وحسين أحمد أمين هذا (بعيداً عن علاقته الخاصة بالدوائر الغربية) له مؤلفات شهيرة في الهجوم على الشريعة الإسلامية كبيرها وصغيرها (راجع كتابنا: تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير)، ولكن من الطبيعي أن يجد له مكاناً إسلامياً في رؤية المسيري الفضفاضة والمرتبكة في العلاقة بين الإسلام والعلمانية.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير