تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فإن بقي شيء من الشك يختلجُ في صدرك بعد ما تقدم؛ فإني لا أبخلُ عليكَ بما قد ادَّخرته لحين مثل هذا الحين ..

فقد قال الإمام المجلسي في (مرآة العقول) (ج 3، ص: 244) متحدثاً عن ترتيب الآيات القرآنية المعبَّرِ عنها بـ (النظم)؛ أثناء كلامه عن آية التطهير:

((فلعل آية التطهير أيضا وضعوها في موضع زعموا أنها تناسبه، أو أدخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية، و قد ظهر من الأخبار عدم ارتباطها بقصتهن، فالاعتماد في هذا الباب على النظم و الترتيب ظاهر البطلان.)) انتهى.

وقرر قبله ذلك أنه سينقل من روايات الفريقين في كتاب القرآن: ((أن ترتيب القرآن الذي بيننا ليس من فعل المعصوم حتى لا يتطرق إليه الغلط)).

ومراده الترتيبَ في الآيات -كما سبق-.

وأضف إلى ذلك أيضا أنه وصف بعض الآيات في غير ما موضع من (بحار أنواره) بأنها ((على خلاف ما أنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله)))؛ يُنظر البحار (22/ 67) , (20/ 57).

فإن تقررت عندكَ المقدمات اليقينية التي ذكرناها من كلام المجلسي؛ فإنه لا بد لك إزاء هذا من المصير إلى أحد أمرين:

1 - أن تقول بتواتر أخبار الإمامة والتحريف الصريحة معاً.

2 - أن تطرح القول بتواتر أخبار الإمامة والتحريف الصريحة معاً.

فالخيار الأول مخرجٌ لك من الملَّة لأن القول بالتحريف كفرٌ بأعظم كتاب من كتب الله تعالى, وخاصة أن منشأ القول كان من تواتر الأخبار الصريحة, والتواتر يقيني -كما تعلم-, واليقين لا يجتمع مع الشبهة والشك؛ فقولك بالتحريف ليس عن شبهةٍ؛ فتدبَّرْ!

والخيار الثاني مخرج لك من الطائفة الإمامية لأنه مفضٍ إلى إنكار القول بتواتر أخبار الإمامة؛ بل إنه إسقاط جملي لأخبار الطائفة بأسرها كما قرره لكَ الإمام المجلسي, وهذا ما نرجوه لك إن أبيتَ القول بالتحريف.

وقد تظنُّ أن لك مخرجاً من هذا الإشكال بأن تقبل تواتر أخبار الإمامة, وترد تواتر أخبار التحريف!!

فنقول: هذا تَحَكُّمٌ لا يجوز؛ وبعبارة أخرى: هذه مِزاجيَّة في الانتقاء من غير دليل ولا برهان, وهذا ممتنع على أمثالك من أصحاب الدليل والبرهان, ومتبعي أهل العصمة من أهل البيت؛ فكيف يقبلون هذا ويردون هذا, وكلا الأمرين متواتر عن المعصوم؟!

وأمَّا نحن؛ فنحلفُ بالله -غير حانثين- أنه لا يجوز القول بالتحريف إطلاقاً؛ لأن حفظ القرآن مسلمة كبرى يقينية نقلية عقلية لا يمكن معارضتها بأي معارض, وكل ما يُدَّعى أنه من جنس اليقينيات ويُعارض هذه المسلمة الكبرى؛ فواقعه ليس على ما يُدَّعى, ولا يخلوا من أن يكون زيفاً, وسُخْفاً وخدعةً كبرى؛ لأن اليقينيات لا تتعارض -كما تقرر مراراً-.

ملاحظات:

1 - لا يجوز نقض أو معارضة ما قرَّرناه بنقل أقوال بعض علماء الطائفة الإثني عشرية القائلين بسلامة القرآن من التحريف؛ لأن إلزامنا مبني على تواتر القول بالتحريف الصريح عن المعصومين, وهو أمر لا يُعارض بأقوال العلماء غير المعصومين؛ حتى لو كانوا في العِدة مئاتٍ.

فإن قلت: وهذه الأخبار المتواترة في التحريف معارضةٌ لصريح القرآن حيث قال تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]

قلت: هذه مصادرة على المطلوب؛ فإنه لا يجوز لكَ الاستدلال بنص القرآن قبل أن تثبت سلامته من التحريف الصريح الذي ثبت تواتره بشهادة أئمتكم؛ فيجوز على مذهب التحريف أن تكون هذه الآية محرفة أيضاً؛ فما الذي يجعل آية التطهير وغيرها محرفة, ويمنع تحريف هذه الآية؟!

فإن قلت: ثبت تواتر القرآن.

قلتُ: يسقط إذن تواتر أخبار التحريف الصريحة, وتسقط جملة الأخبار أيضاً بما فيها أخبار الإمامة- المزعوم تواترها-, وهو المطلوب.

فإن تعلَّق قلبكَ بطاغوت التأويل, ورأيت أن الاخبار المتواترة الصريحة في التحريف يمكن تأويلها!

قلنا: إن كانت هذه الأخبار الصريحة من الممكن تأويلها بطاغوت التأويل؛ فإنكَ لا تعدِم حينئذٍ من تأويلات قوية فضلا عن (ركيكة)؛ تأوِّل بها أخبار الأمامة المتواترة؛ فتتساقط الأدلة بنفس المؤثِّر!!

2 - ولا يجوز -من باب أولى- نقض أو معارضة ما قرَّرناه بتبرئة علماءِ الإثني عشرية من القول بالتحريف من قبل (بعض العلماء أو المنتسبين إلى العلم من أهل السنة)؛ لأن المقرَّر هنا قد كان على مباني الطائفة الإمامية وهو الذي يُعتبر حجة عليهم, وأقوال غيرهم ليست حجةً على أهل السنة فضلا أن تكون حجة عليهم؛ هذا نقضا, وأما معارضةً فنقول: إن كان القلَّةُ قد برَّؤوا الطائفة الإمامية من القول بالتحريف؛ فإن الكثرة الكاثرة من علماء أهل السنة والجماعة الخلَّص؛ فضلا عن المنتسبين إلى السنة بعموم مثل الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم؛ أقول: إن هؤلاء أشبه بالمجمعين على رمي الطائفة الإمامية بالقول بالتحريف عن قوس واحدة؛ حتى صارت نسبة القول بالتحريف للإمامية –عندهم- من خصائص هذه الطائفة التي تمتاز بها عن غيرها.

3 - إننا قد سلكنا –فيما نحسب- طريق العلم والأدب في هذه المقالة؛ فمن كان رادّاً عليها؛ فلا أقلَّ من أن يعاملنا بالمثْل؛ (علماً وأدباً).

4 - حرصنا غايةَ الحرص على التوضيح والتبيين والتجلية للمسائل؛ فمن كان الأمر عنده واضحاً بيِّنا جلياً؛ فهذا من فضل الله, ومن استبْهمَ شيئاً؛ فليستوضحْ, ونحن نبذل قُصارى جهدنا للإيضاح, وربي المستعان!

والله الهادي لأقوم سبيل, والحمد لله رب العالمين.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير