تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وهذا الذي ذكره ابن وضاح أمر معلوم وظاهر، ولذلك قال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم: وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول r، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد لا على قبر نبي ولا غير قبر نبي، ولا على مقام نبي، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام ــ لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خرسان ولا مصر ولا المغرب ــ مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلاً، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي r ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي r وعلى صاحبيه. اهـ «اقتضاء الصراط» (ص753).

فتبين مما تقدم أن تتبع آثار الأولياء والصالحين المكانية من البدع الشيطانية، ومن طريقة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الجاهلية.

وقد أخرج معمر في «جامعه» ـ المطبوع مع «مصنف عبدالرزاق» (20763) ـ عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله r قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: أي رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ــ وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها ــ فقال النبي r: « الله أكبر، هذه كما قالت بنو إسرائيل لموسى:} اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ {] الاعراف:138 [إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم».

وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» ـ كما في «سيرة ابن هشام» ـ (4/ 70) وأبو داود الطيالسي (1346) والحميدي (848) وأحمد (5/ 218) والترمذي (2180) وغيرهم من طريق الزهري به، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وأخرج البخاري في «صحيحه» (4859) من طريق أبو الأشهب عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ في قوله تعالى:} اللَّاتَ وَالْعُزَّى {] النجم:19 [ـ قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحجاج.

وأخرجه ابن أبي حاتم كما في «الفتح» (8/ 612) من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء به، ولفظه: كان يلت السويق على الحجر فما يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه.

فهذا الفعل وهو العكوف عند قبور الأولياء والصالحين والتبرك بالأحجار والأشجار طريقة أهل الجاهلية، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

قال أبو بكر الطرطوشي في كتابه «الحوادث والبدع» (ص38) ـ بعد أن ذكر حديث أبي واقد الليثي السابق ـ: فانظروا رحمكم الله أيضاً أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون به المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها. اهـ.

وقال عبدالرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص24): ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبيناني رحمه الله تعالى ـ أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة ـ، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبدالله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى: عين العافية، كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبدالله: فإنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأساً. قال: فما رفع لها رأس إلى الآن. اهـ.

قلت: ومع الأسف وقع كثير ممن يتنسب إلى دين الإسلام بما حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام فتراهم يقصدون هذه الآثار، كالذهاب إلى غار حراء مع أن الرسول r إنما كان يتعبد فيه قبل البعثة، وأما بعدها فلم يأت إليه ولا دعى أمته إلى الذهاب إليه، ومع ذلك تجد كثيراً من الجهال يذهبون إليه.

ومن ذلك المكان الذي يُزعم أن الرسول r ولد فيه ـ ومع أن هذا لم يثبت ـ فهل الرسول r أرشد أمته إلى الإتيان إلى هذا المكان، أو فعل ذلك أحد من الصحابة y أو السلف الصالح؟! وإنما أحْدَثَ هذا من ضل سواء السبيل، وخالف الحق المبين.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير