تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ـ[محمد الحسن]ــــــــ[24 - 10 - 07, 09:57 ص]ـ

أولاً: تعريف علم الكلام

من المعلوم أن مباحث علم الكلام كانت مندرجة في مباحث الفقه ([11])، حيث كان البحث في الدين بأحكامه يسمى فقهًا، ثم خص البحث في العقائد باسم"الفقه الأكبر" من قبل الإمام أبي حنيفة، الذي ينسب إليه كتاب «الفقه الأكبر» ([12])، وبعد ذلك خصص البحث في الأحكام الفقهية وهي الفروع باسم الفقه، أما تسميته بعلم الكلام فلا يمكن الجزم بتاريخ معين لنشوء هذه التسمية ([13])، ولا نجد لدى ابن خلدون ما يسعفنا في هذا الشأن، وإن كنا نعلم أن التسمية ازدهرت وانتشرت في عصر المأمون (198–218هـ)،. ([14]) مع وجود تسميات عديدة لهذا العلم فهو: "علم التوحيد" أو " علم الذات والصفات" أو " علم أصول الدين" أو " علم العقائد" أو "علم النظر والاستدلال" أو "علم المقالات" أو " علم النحل" أو "علم الفقه الأكبر" ولكل من هذه التسميات ظروفها التاريخية وأسبابها العملية، ويفيد الشهرستاني أن تسمية علم التوحيد بعلم الكلام شاعت وانتشرت، بسبب الخلاف والمحنة التي دارت حول مسألة "الكلام الإلهي" ([15]).

وعلى الرَّغم من كثرة المؤلفات والمصنفات الكلاميّة في القرنين الثاني والثالث، فإننا لا نظفر بتعريف محدد لهذا العلم، ومعظم التعريفات التي بين أيدينا لعلم الكلام وضعها الأشاعرة والماتريدية لاحقًا، حيث غلبت على حدودهم وتعريفاتهم نزعة استبعاد المعتزلة عن كونهم فرسان الكلام وأساتذته. ([16])

فابن خلدون يعرف هذا العلم بقوله: «هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقليّة، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب أهل السلف، وأهل السنة» ([17])، وهو يتابع أئمة الأشاعرة في حد علم الكلام، وعلى رأسهم الغزالي الذي تأثر به كثيرًا، فالغزالي يؤكد أن: «"علم الكلام" مقصود حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى على عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم كما نطق بمعرفة القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورًا مخالفة، فلهجوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله طائفة من المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة، بكلام مرتب يكشف تلبيسات أهل البدعة المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، منه نشأ علم الكلام وأهله» ([18]).

وابن خلدون يتابع الأشاعرة، والغزالي على وجه الخصوص، بأن علم الكلام خاص بأهل السنة، ولا يخفى ما في هذا القول من التحيز والتعصب والقصور، فمن المعروف أن علم الكلام نشا على أيدي المعتزلة قبل ظهور الأشاعرة والماتريدية بزمن طويل، وبلغ درجة من النضج والاكتمال متوسلين بالمنطق والفلسفة، من أجل توضيح العقيدة والدفاع عنها من شبه الثنوية والملحدين، ويؤكد هذا القول الجاحظ الذي لا يخلو قوله من الافتخار والمبالغة: «أنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل» ([19]).

وبحسب المصادر الكلامية التي بين أيدينا؛ فإن المعتزلة هم أول من استعملوا "الكلام" بالمعنى الاصطلاحي كما يؤكد على ذلك الشهرستاني ([20])، ولعل أول من استخدمه الجاحظ الذي كان يقول مفاخرًا: «الكلام للمعتزلة، والفقه لأبي حنيفة، والبهت للرافضة، وما بقي فللعصبية» ([21])، واستعمل الجاحظ الكلام بالمعنى الاصطلاحي في كتبه ورسائله، ومن ذلك قوله: «فإن كان الخطيب متكلمًا تجنب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا، أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحن وأشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء» ([22]).

إن التعريف الخلدوني لعلم الكلام يظهر تحيزًا وتعصبًا واضحًا لعلم الكلام في مرحلته الثانية "فالحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقليّة" ينطبق فعلًا على المرحلة الأولى من تطور علم الكلام الذي بلوره المعتزلة.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير