تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

• ويستدل آخرون على الحق بانتصار قومٍ ما وبطولاتهم، وعلى الباطل بانكسار قومٍ ما عسكرياً وهزيمتهم، وقد استغل بعضُهم مثل ذلك للترويج لمذهبه الفاسد وبضاعته الكاسدة، وبثِّ دعوته بين العامة، واستغلال عاطفة الكراهية للعدو من جهة، وغريزة الإعجاب بالبطولة والأبطال من جهة أخرى، وهذا خلاف الواقع، وقد أصيب المسلمون في غزوة أحد بما أصيبوا به، وفقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير; وعزَّ عليهم أن يصيبهم ما أصابهم وهم المسلمون وهم يجاهدون في سبيل الله، وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله، فقالوا كما حكى القرآن عنهم: أنى هذا؟ وردَّ الله سبحانه على تساؤلهم ودهشتهم بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165].

وبناء على هذا المنطق -أقصد الاستدلال على الحق بامتلاك القوة الحربية والصناعية- ينبغي أن يكون الغرب اليوم على حق وخير وهدى؛ لأنهم الأقوى فيها، وهذا لا يصح، والغرب وإن كان يفوقنا في قوته المادية والعسكرية إلا أنه يقوم على عقيدة باطلة وتصور فاسدٍ للكون والإنسان والحياة، ويعج بالرذائل والفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي كما هو معروف.

إن الحق لا يعرف بنصر أو هزيمة؛ لأن للنصر سننَه ونواميسَه كما أسلفت، نعم وعد الله المؤمنين بالنصر والتمكين لهم، ولكن ربط ذلك بسنن النصر وشروطه وآدابه. روى الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخًا طوالا أخذ الحربة بيده ويده ترعد فقال: "والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات وهذه الرابعة ثم قال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفتُ أنَّا على الحق وهم على الباطل". فالحق يعرف بنفسه، وكذلك الباطل، والاستدلال بالانتصارات والبطولات على صحة العقائد والمبادئ وسلامة أديان أصحابها وتصوراتهم استدلال خاطئ وساذج، وقد فُتِن الناس منذ عهد قريب بمثل ذلك، ونسوا أن الله سبحانه قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر كما ورد في حديث المنافق الوارد في صحيح البخاري؟ ثم هل خلا تاريخ أمة أو شعب أو طائفة من البطولات والأمجاد؟ حتى الجاهلية القديمة برز فيها بطولات عنترة ووفاء السموأل وسخاء حاتم!. وما أريد أن أقرره هو أن الحق لا يعرف بنصر أصحابه ولا هزيمتهم، وإن كنا نعلم أن العاقبة للمتقين، ولا يدل عليه بطولات أو تضحيات، فكم من باطل وله أبطال، وحوله رجال، يبذلون في سبيله المُهَج، ويقدمون الغالي والرخيص والنفس والنفيس؟!، وظاهرة دولة اليهود وهجرتهم إليها من جميع الأصقاع، وإنفاق أغنيائهم في سبيلها بلا حدود، أقوى شاهد ماثل للعيان، فالحق لا يعرف إلا بالحجة والبرهان وإقامة الدليل الشرعي حصراً بحسب ضوابط الاستدلال الشرعية وأصولها التي قررها أهل العلم (انظر: الاعتصام للشاطبي -جزء 1 - صفحة 167/الباب الرابع: في مأخذ أهل البدع بالاستدلال).

• وبعض الناس يستدل بالرجال على الحق، ويحتجون عليك بفعل فلان وفلان، وهذا خطأ، وإنما يُنظرُ إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل، وليس إلى فعل أو قول أحد من العلماء مهما كان اعتقادُنا حسناً في علمه وصلاحه، جاعلين نصب أعيننا قول إمام دار الهجرة: (كل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر –صلى الله عليه وسلم-). ومثل هذا نقل عن الأئمة المجتهدين، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، رحمهم الله تعالى، ومنه قول الشافعي: "إذا خالف قولي قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالحجة في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واضربوا بقولي عرض الحائط". وهؤلاء الأئمة جميعهم أصحاب فضل وعلم، وقد بذلوا جهدهم في التماس الحق في المسائل التي اجتهدوا فيها، فأصابوا وأخطأوا، وكلاهما –أي المصيب والمخطئ- مأجور.

وقد وضع فقهاؤنا قاعدة قلبها الناس اليوم على رأسها، ومن حقها أن تقوم على أساسها، فقالوا: (يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال)، وعندما نزن الأمور بهذه القاعدة الذهبية، ونقيس على هداها فلن نرتبك ولن تصيبنا حيرة أو اضطراب، وعندما تغيب عنا هذه الحقائق، وتعبث بنا العواطف والانفعالات في حالات يأس وبؤس تعيشه الأمة، عندئذ يعظَّم الحقير، ويحقَّر العظيم، ويكبَّر الصغير، ويصغَّر الكبير، ويخطب فينا "الرويبضة"، فيقطع قول كل خطيب. وبمناسبة الحديث عن الخطابة فإن بعض الناس يستدلون على الحق بقدرات أصحابه الكلامية، وطلاقة ألسنتهم، وهذا أيضاً استدلالٌ خاطئ؛ لأن كثيراً من المبطلين يسحرون الناس ببراعتهم اللغوية، وقدراتهم على التلبيس والتمويه وقلب الحقائق، وقد ورد في مسند أحمد بن حنبل وإسناده قوي: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان).

• وأخيراً: كيف يعرف الحق؟ وبماذا يثبت؟

خلاصة الكلام: أنه لا يعرف الحق بكثرة أو قلة ولا بقوة أو ضعف مادي، ولا بنصر أو هزيمة في ميدان الحرب والطعان لا في ميدان الحجة والبرهان، ولا يثبت أيضاً بالخوارق ولا بالدعاوى المجردة، ولا يُعرف بالرجال، لكن يثبت بالدليل والبرهان، وبه يعرف حصراً، ولذلك لا يقبل قول بلا دليل، ولا تثبت دعوى بلا برهان، {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، ولذلك فإن الكتاب حافلٌ بالحجج العقلية والبراهين العلمية والآيات الكونية، وهو في منهجه في الدعوة ونشر الدين لا يفرض الإيمان على الناس بالإكراه، ولا يطالبهم بالتسليم دون اقتناع.

http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=2089

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير