تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

باب الكلام في الناس باب خطير، والحكم عليهم بالمدح أو الذم أمر جليل، تهيب خوض غماره كثير من العلماء، فإن الغيبة من موبقات الذنوب، ويتعاظم إثمها إذا كانت غيبة للدعاة أو العلماء أو المصلحين.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) رواه مسلم (2564)

قال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (34):

" أعراضُ المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار " انتهى.

وقد أصبح الاشتغال بأخطاء الآخرين ومتابعتها آفة ابتلي بها الناس اليوم، وقد كان الأحرى بهم السعي في تحصيل العلم النافع والاجتهاد في صالح الأقوال والأعمال.

ومع ذلك فإن الغيبة تكون جائزة، بل قد تكون واجبة، إذا كانت لتحذير المسلمين من شر فاسق أو ضال أو مبتدع.

الناس جميعا - والدعاة والعلماء منهم - ليسوا معصومين من الخطأ، بل لم يسلم من الخطأ أحد من البشر.

غير أن هذه الأخطاء على نوعين:

الأول: أخطاء واضحة لمخالفة النصوص الصريحة أو الظاهرة، أو مخالفة إجماع الأمة، فهذا الخطأ يجب بيانه، ولا يجوز السكوت عنه.

النوع الثاني: أخطاء في مسائل اجتهادية، كتلك التي لم ترد فيها نصوص قطعية أو ظاهرة تدل على حكمها، ولكن ورد فيها نصوص محتملة في دلالتها، أو مختلف في صحتها، أو ليس فيها نصوص أصلا، وإنما هي قضايا اجتهادية عند أهل العلم، على ما هو معروف في بابه؛ فهذه لا يجوز إنكارها، ولا التشنيع على القائل بها، وإن كان لا يُمنع من التباحث فيها وبيان الصواب من غيره، كلٌّ حسب ما يراه.

وأما الطعن في الشخص نفسه والتحذير منه، فذلك يختلف باختلاف الأشخاص وحجم الأخطاء التي وقعوا فيها، ومدى استفادة المسلمين من دعوته، فإذا كان الرجل يدعو إلى منهج غير منهج أهل السنة والجماعة، ويحارب منهج أهل السنة، ويمدح غيره من المناهج، أو ينطلق في منهجه ـ وإن لم يصرح بذلك ـ من أصول بدعية؛ فهذا ـ إن كان عنده خير ـ إلا أن شره أعظم من خيره، فيجب التحذير منه، حتى لا ينخدع الناس بكلامه، ويكون سببا في إضلالهم.

ومن الناس ـ الدعاة ـ من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، ولا يدعو إلى منهج آخر، ولكنه كثرت أخطاؤه وشذوذاته، حتى صارت سيئات دعوته تربو على حسناته، وأخطاؤه أكثر من صوابه، فهذا أيضا يجب التحذير منه.

وقسم ثالث من الناس، ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وله بعض الأخطاء ـ التي لا يخلو منها بشر ـ إما عن تأويل أو اجتهاد خاطئ أو ضعف في العلم، أو دعوى المصلحة .... إلخ، ولكنه في الجملة متمسك بالسنة داع إليها مدافع عنها، وحسناته أكثر من سيئاته، وانتفاع الناس بدعوته أكثر من الضرر الحاصل على بعضهم في اتباعه في هذه الأخطاء، فهذا يجب بيان أخطائه تحذيرا للناس، ونصحا لهم، وإنكارا للمنكر، ولكنه لا يجوز أن يتعدى ذلك إلى الطعن في الشخص نفسه، أو محاولة إسقاطه وتحذير الناس من استماعه أو الأخذ منه، أو الحمل عليه ـ تأولا ـ بأخطاء لم يصرح بها في كلامه؛ فإن المنصف من يغتفر قليل زلل المرء في كثير صوابه، ومَنْ مِنَ الناس هو الذي يصيب دائما ولا يخطئ؟

من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

فقد دار حديثنا هنا ـ أيها الأخ الكريم ـ على أصول مهمة يجب البناء عليها عند النظر والحكم على الآخرين:

الأصل الأول: النظر إلى أصول الشخص، ومنطلقه في علمه وعمله؛ فمن كان قصده متابعة الرسول، وتعظيم شرعه، ظاهرا وباطنا، فهذا يغتفر له، إن شاء الله.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في معرض كلامه عن أبي ذر الهروي، والباقلاني والباجي، وغيرهم من علماء الأشاعرة:

" ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير