تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وإذا ثبت هذا فقولك: سلمت عليه أي ألقيت عليه هذا اللفظ، وأوضعته عليه إيذاناً باشتمال معناه عليه، كاشتمال لباسه عليه، وكان حرف (على) أليق الحروف به .. فتأمله. وأما قوله تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 90، 91]، فليس هذا سلام تحية ولو كان تحية لقال: فسلام عليه كما قال: {سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109]، {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ} [الصافات: 79]، ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله فذكر أنهم ثلاثة أقسام: مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم. ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة فوعده بالسلامة ووعد المقرب بالغنيمة والفوز وإن كان كل منهما سالماً غانماً ... وظالم بتكذيبه وضلاله فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم، فلما لما يكن المقام مقام تحية، وإنما هو مقام أخبار عن حاله ذكر ما يحصل له من السلامة.

فإن قيل: فهذا فرق صحيح لكن ما معنى اللام في قوله (لك)؟ ومن هو المخاطب بهذا الخطاب؟ وما معنى حرف (من) في قوله من أصحاب اليمين فهذه ثلاثة أسئلة في الآية، قيل: قد وفينا بحمد الله بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية، وبين سلام التحية وهو الذي كان المقصود، وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا، ولكن نجيب عنها إكمالاً للفائدة بحول الله وقوته، وإن كنا لم نر أحداً من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل، ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ، بل منهم من يقول المعنى فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين ومنهم من يقول غير ذلك مما هو حرم على معناها من غير ورود. فاعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له.

ومن ذلك قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25]، ولم يقل عليهم اللعنة إيذاناً بحصول معناها وثبوته لهم، وكذلك قوله: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، ويقول في ضد هذا: لك الرحمة، ولك التحية، ولك السلام، ومنه هذه الآية: {فَسَلامٌ لَكَ}، أي: ثبت لك السلام وحصل لك.

وعلى هذا فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب فهو خطاب للجنس، أي: فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين كما تقول هنيئاً لك يا من هو منهم، ولهذا والله أعلم أتى بحرف (من) في قوله: {مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 91]، والجار والمجرور في موضع حال أي: سلام لك كائناً من أصحاب اليمين، كما تقول: هنيئاً لك من أتباع رسول الله وحزبه أي: كائناً منهم. والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال، كما تقول: أحببتك من أهل الدين والعلم، أي: كائناً منهم، فهذا معنى هذا الآية، وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير، فقد حام عليه منهم من حام وما ورد، ولا كشف المعنى ولا أوضحه. فراجع ما قالوه ... والله الموفق المانّ بفضله.

الابتداء بالنكرة في (السلام)

وأما السؤال السادس: وهو ما الحكمة في الابتداء بالنكرة هاهنا مع أن الأصل تقديم الخبر عليها؟ هذا سؤال قد تضمن سؤالين:

أحدهما: حكمة الابتداء بالنكرة في هذا الموضع. الثاني: أنه إذ قد ابتدئ بها فهلا قدم الخبر على المبتدأ؟ لأنه قياس الباب نحو: في الدار رجل.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: النحاة قالوا: إذا كان في النكرة معنى الدعاء مثل: سلام لك، وويل له جاز الابتداء بها، لأن الدعاء معنى من معاني الكلام، فقد تخصصت النكرة بنوع من التخصيص فجاز الابتداء بها، وهذا كلام لا حقيقة تحته، فإن الخبر أيضاً نوع من أنواع الكلام ومع هذا فلا تكون جهة الخبر مسوغة للابتداء بالنكرة، فكيف تكون جهة الدعاء مسوغة للإبتداء بها.

وأما الفرق بين كون الدعاء نوعاً، والخبر نوعاً، والطلب نوعاً، وهلا يفيد ذلك تعيين مسمى النكرة حتى يصلح الإخبار عنها؟ فإن المانع من الإخبار عنها ما فيها من الشياع والإبهام الذي يمنع من تحصيلها عند المخاطب في ذهنه، حتى يستفيد نسبة الإسناد الخبري إليها، ولا فرق في ذلك بين كون الكلام دعاء أو خبراً.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير