تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

رواه أيضاً عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت .. ) (5).

قلت: والتوكل على الله يعد بلا ريب قوة دفع للمؤمن في حياته؛ فهو حين يؤمن أن توكله على الله يحقق له مطلبه ومبتغاه فإنه لن يتردد في العمل من أجل هذا المطلب؛ ذلك أن النفس عند إرادتها عملاً مّا تحتاج إلى قوة دفع من داخلها؛ ألم تر أن المرء عندما يواجه ظرفاً أو موقفاً غير عادي تبدأ أحاسيسه ومشاعره ومختلف قواه تتحفز لمواجهة هذا الموقف؛ فيكون جهده فيه أكبر من جهده في الأحوال العادية، فإذا توكل العبد على الله مخلصاً من قلبه في هذا التوكل مستشعراً في نفسه عظمة المتوكل عليه، قويت أحاسيسه ومشاعره بل وسائر قواه للقيام بأي عمل مهما كانت مخاطره؛ فمثلاً المجاهد ومن في حكمه حين يضع نصب عينيه قول الله عز وجل: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(1). يتحفز للقتال دون أن يستشعر في نفسه احتمالات الخطر. والعامل كذلك في قيادة الطائرة أو السفينة أو ما في حكمهما، حين يتوكل على الله يمنحه هذا التوكل قوة العمل مهما كانت احتمالات المخاطر التي قد يتعرض لها. ومثله الفلاح والصانع حين يتوكلان على الله في البحث عن رزقهما، فإنهما ينسيان احتمالات فساد الزرع أو فشل الصناعة. وهكذا يكون التوكل على الله قوة دفع يتميز بها المسلم على غيره إذا أخلص فيه. ولا ريب في أن الله يحقق للمتوكل عليه ما يبتغيه من التوكل عليه؛ لأن ذلك عهد منه في قوله عزوجل: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF ومن يتوكل على الله فهو حسبه http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(2). وعهد الله لا مخلف له، ولا مرد له.

والتوكل على الله ليس مجرد قول بلا عمل، وإنما هو عمل من وجهين:

الوجه الأول: أن التوكل في ذاته عمل يقتضي -كما ذكر آنفاً- الإيمان المطلق بأن المتوكل عليه -وهو الله- يكفي المتوكل وهو العبد، ويقيه ما يحذر منه، ويجعل له مخرجاً من كل عسر وضيق، وهو ما ذكره عز وجل في قوله: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF ومن يتق الله يجعل له مخرجا http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(1). http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF ويرزقه من حيث لا يحتسب http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(2). والتقوى هنا عمل؛ فالصلاة عمل، والزكاة عمل، والمأمورات كلها أعمال؛ فلا تتحقق التقوى، ولا يتحقق التوكل إلا بالعمل بما أُمِرَ به العبد، والكف عما نُهِي عنه.

الوجه الثاني: أن التوكل على الله يقتضي فعل الأسباب؛ فالمتوكل حقيقة ليس بمتواكل، فمن يكل أمره إلى غيره فليس بمتوكل على الله وإنما هو ضعيف وعاجز؛ لأن الله جعل لعباده إرادة ينطلقون منها في فعل ما أمروا به، وما يحتاجون إليه في أمور دنياهم. كما أنه عزوجل حين هيأ لهم أسس حياتهم أمرهم بفعل الأسباب فيها، وهذا الأمر إما أن يكون صريحاً كقول الله في حال الجهاد: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(3). ففي هذا أمر بالحذر حين قتال العدو؛ والحذر بمعنى السبب. وكقوله عزوجل في الأكل من الطيبات: http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_R.GIF يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم http://www.fiqhia.com.sa/Images/BRAKET_L.GIF(4). ففي هذا أمر بالأكل، وأمر أن يكون هذا الأكل من الطيبات، ولا يكون هذا إلا بسبب وجهد عقلي وبدني.

وقد يكون الأمر بفعل الأسباب من الأمور العقلية اللازمة لفعل الشيء ذاته؛ فمن يمشي على الأرض لا بد أن يلبس ما يقي رجليه وجسمه من حرارة الشمس، أو قسوة البرد، أو مصاعب الطريق. وقد يكون الأمر بفعل الأسباب مما تقتضيه طبيعة الشيء وسلامته، فمن يقود الطائرة -مثلاً- عليه أن يتأكد من سلامتها، وسلامة تجهيزاتها قبل أن يبدأ الطيران وهكذا في الأمور المماثلة.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير