تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

منقول: في الاجتهادواختلاف أقوال المجتهد الواحدللإمام الشَّرِيف التِّلِمْسَانِيّ

ـ[أبو الوليد الجزائري]ــــــــ[27 - 09 - 03, 04:22 ص]ـ

منقول منقول منقول:

تقييد نفيس في الاجتهاد

واختلاف أقوال المجتهد الواحد

للإمام المجتهد الفقيه الأصولي

أبي عبد الله محمَّد بن أحمد، الشَّرِيف التِّلِمْسَانِيّ

صاحب "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول"

نقلتُه من ترجمته في نيل الابتهاج للتنبكتي ص 441 - 445

سُئل رحمه الله في غرناطة: عن قول الإمام المرجوع عنه، وما نقل أهل المذهب عنه في مسألة واحدة قولين مختلفين وثلاثة، يقولون: وقع له في المدونة كذا، وفي الموازية كذا، ويعتقدونها خلافاً، فيفتون بها من غير تعيين للمتأخر منها [الذي] يجب الأخذ به، من المتقدِّم الذي يترك مع التقليد لصاحبها، وهو واحد، مع اتفاق أهل الأصول على أنه إذا صدر القولان عن عالمٍ لم يعلم المتأخر منهما لا يؤخذ بواحدٍ منهما؛ لاحتمال كون المأخوذ المرجوع عنه، فصارا كدليلين نسخ أحدهما فلم يعلم بعينه، لا يعمل بمقتضى واحدٍ منهما، وأما المجتهد فيأخذ برأيه من حيث اجتهاده.

وقد وقعت هذه عندنا، وتردد النظر فيها أياماً، فلم يوقف إلا أن الضرورة داعية إلى ذلك، وإلا ذهب معظم فقه مالك.

ومستند الأخذ مع الضرورة أن مالكاً لم يقل بالأول إلا بدليل، وإن رجع عنه فيأخذ به من حيث الدليل.

وأيضاً غالب أقواله قال بها أصحابه، فيعمل بها من حيث اجتهادهم.

وأيضاً فجميع المصنفين سطروا هذه الأقوال وأفتوا بها من غير تعرض لهذا الإشكال، فبعيد اجتماعهم على الخطأ، هذا ما ظهر لنا.

وقد أجاب القرافي عن هذا الأخير في شرح التنقيح بما في علمهم.

فأجاب رحمه الله:

اعلموا أن المجتهد: إما مطلقٌ، وهو من اطَّلع على قواعد الشرع، وأحاط بمداركها ووجوه النظر فيها، فهو يبحث عن حكم نازلةٍ بنظره في دلالتها على المطلوب، فينظر في معارض السند والتخصيص والتقييد والترجيح وغيرها، إن لم يعلم المتأخر، فيعمل بالراجح أو الناسخ حيث ظهر، ويصير المتقدم لغواً كأنه لم يذكر البتة، هذا نظره.

وإما مجتهد في مذهب معين، وهو من اطَّلع على قواعد إمامه، وأحاط بأصوله ومآخذه، وعرَفَ وجوه النظر فيها، ونسبته إليها كالمجتهد المطلق في قواعد الشريعة، كابن القَاسِم وأشْهَب في المذهب، والمُزَنِي وابن سُرَيْج في مذهب الشافعي، وقد كان ابن القاسم وأشهب والشافعي قرؤوا على مالك، فأما الشافعي فترقى للاجتهاد المطلق، فكان ينظر في الأدلة مطلقاً بما أداه إليه اجتهاده، وابن القاسم فيقول: سمعتُ مالكاً يقول كذا، أو بلغني عنه كذا، وقال في كذا: كذا ومسألتُك مثلها، فهذه رتبة الاجتهاد المذهبي.

وقد قال في غصب المدونة في الغاصب والسارق يركبان المغصوبة أو المسروقة بعد حكايته قول مالك: "ولولا ما قاله مالك لجعلتُ على الغاصب والسارق كراء ركوبه إياها [1].

فأنت ترى شدة اتباعه لمالك وتقليده له.

وأما مخالفته له في بعض المسائل، كقوله: (يتعين ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين من الإبل)، كقول ابن شهاب، ومالكٌ يخيره في ذلك (أو حقتين)، وفيمن قال لعبده: أنت حر بتلاً وعليك مائة دينار، فقال مالك: (هو حر ويتبع بها)، وابن القاسم لا يتبعه بشيء كقول ابن المسيِّب، وفي الغرماء يدعون على الوصي التقاضي يحلِّفُهم مالك في القليل، وتوقف في الكثير، ويحلفهم ابن القاسم مطلقاً كقول ابن هُرْمُز، وغيرها، فيحتمل أنه رأى أن ما قاله هو في هذه المسائل هو الجاري على قواعد مالك، فلذا اختاره، فلم يخرج عن تقليده فيها، ويحتمل أنه اجتهد فيها مطلقاً بناء على جواز تجزئ الاجتهاد.

وأما أصبغ فقال: أخطأ ابن القاسم، لما رآه خالف فيها مالكاً، لما لأنه رآه خارجاً عن أصوله وصريح قوله.

وأما أشهب فالمحقِّقون على أنه مقلِّدٌ لمالك، غير مجتهد، وقوله في مسألة من حلف بعتق أمته أن لا يفعل كذا، فولدت بعد اليمين وقبل الحنث: لا يعتقون معها (قيل له: إن مالكاً قال: يعتقون معها، قال: وإن قاله مالك، فلسنا له بمماليك)، يقتضي اجتهاده، كما قال ابن رشد، خلاف ما قاله الجمهور أنه مقلد له.

فإذا تقرَّرَ هذا، فالقولان لمالك اللذان لم يعلم المتأخر منهما، ينظر مجتهد المذهب أيهما أجرى على قواعد إمامه، وتشهد له أصوله، فيرجِّحه ويفتي به.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير