تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

من المزال التي يقع فيها المفتي أن يتعلق بأول معلومة، وقد تكون هذه المعلومة صادرة من المستفتي أو تكوت نتيجة بحث الفقيه في المسألة فيقع نظره على معلومة من كتاب أو سنة أو قول عالم، فيقع في قلبه قول، ويقتنع به فإذا ما رأى قولا آخر أقوى حجة صعب عليه الانتقال إلى الأصوب. وقد يكون النص منسوخا أو مخصوصا أو مقيدا أو مأولا، وقد يكون الدليل لم يثبت أصلا، ومع ذلك فإن لأول معلومة تقع في النفس قوة وجذبا لا يتخلص منها ناشد الحق إلا بمجاهدة وتربية، وتدريب على قبول الحق والبحث عنه.

ولذا نجد لبعض طلبة العلم المجربين وجهة نظر في حفظ المتون الفقهية، فهم يرون أن القول الذي يستقر في القلب يصعب تغييره إلا بدليل بالغ القوة، على قول القائل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى


فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وبعيدا عن قبول هذا الرأي أو رفضه، فإن المقصود أن من أكثر أسباب الزلل في الفتوى أن تستقر نفسه على المعلومة الأولى في بحثه، مما يحمله على التعصب لها وعدم قبول غيرها.

ولذا فإنه بالنظر في مجمل شروط الاجتهاد للوصول للفتيا الصحيحة التي عليها أكثر الأصوليين نجد أنها ترجع إلى شرطي الولاية المذكورة في قوله تعالى:" إن خير من استأجرت القوي الأمين" فالقوة العلمية والأمانة هما مجمع الشروط. وما أحسن ما نقله الشاطبي رحمه الله حيث يروي رحمه الله أحد شيوخه عن بعض العلماء قال: لا يسمى العالم عالما بعلم ما إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون قد أحاط علما بأصول ذلك العلم على الكمال.
والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم،
والثالث: أن يكون عارفا بما يلزم عنه،
والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم.
ومن كان هكذا فإن هذا الزلل يبعد أن يصدر منه لاستيعابه النصوص الواردة فيه، وكلام العلماء عنه.

سبل الوقاية من مزلة التعلق بأول معلومة:

أولا: حصر المعلومات المؤثرة في الفتيا وأهمها النصوص الشرعية:

ليعلم أن اشتراط العلم بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة واستحضارها قبل الفتوى شرط في جواز الفتوى وصحتها، ولو في مسألة جزئية، وهذا الشرط أهم الشروط ولم يخالف في اشتراطه أحد من العلماء. وذلك لأنه لا يجوز له الفتيا بالقياس مع وجود النصوص الشرعية فقد نص الشافعي رحمه الله في الرسالة على أنه لا يحل القياس والخبر موجود وقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" (الحجرات:1).

ثانيا: نخل الأخبار وتمييزها ما يصلح للاستشهاد

يشترط أن يكون للمفتي تمييز بين الأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة، حتى لا يستدل بحديث ضعيف، فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون عنده الكتب فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة ولا يعرف صحة الأسانيد ولا الصحيح من غيره هل يأخذ بما شاء من ذلك؟ فقال: لا، بل يسأل أهل العلم.
وسئل الإمام أحمد ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم بالفتيا؟ قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عارفا بالسنن، عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها"، و قيل لابن المبارك رحمه الله: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأي".
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله:" من لم يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سماعه ولم يميز بين صحيحه وسقيمه فليس بعالم". وقال عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله:" لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح".
وقال الفتوحي: ويشترط أن يكون عالما بصحة الحديث وضعفه سندا ومتنا وأن يكون عالما بحال الرواة ولو تقليدا، كنقله ذلك من كتاب صحيح.

ثالثا: معرفة الناسخ والمنسوخ:

قد يجد المفتي نصا قرآنيا أو حديثا نبويا صحيحا ثابتا في المسألة المبحوثة، فيستند على النص ويفتي به، مع أنه منسوخ بنص آخر، وهو زلل وارد ولذا حرص السلف من الصحابة فمن بعدهم على تأكيد معرفة المتفقه للناسخ والمنسوخ – مع التنبيه إلى أنهم يطلقون على العام الذي دخله التخصيص بأنه منسوخ.
¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير