تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

{لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه.

{لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة، {والذي تولى كبره} أي: معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- {له عذاب عظيم} ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.

ثم أرشد الله عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} أي: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا، وهو السلامة مما رموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، {وقالوا} بسبب ذلك الظن {سبحانك} أي: تنزيها لك من كل سوء، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، {هذا إفك مبين} أي: كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها. فهذا من الظن الواجب، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل لذلك.

{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، بأربعة شهداء أي: عدول مرضيين. {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} ولم يقل " فأولئك هم الكاذبون " وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق.

{ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} بحيث شملكم إحسانه فيهما، في أمر دينكم ودنياكم، {لمسكم فيما أفضتم} أي: خضتم {فيه} من شأن الإفك {عذاب عظيم} لاستحقاقكم ذلك بما قلتم، ولكن من فضل الله عليكم ورحمته، أن [ص 564] شرع لكم التوبة، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب.

{إذ تلقونه بألسنتكم} أي: تلقفونه، ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون حديثه، وهو قول باطل. {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} والأمران محظوران، التكلم بالباطل، والقول بلا علم، {وتحسبونه هينا} فلذلك أقدم عليه من أقدم من المؤمنين الذين تابوا منه، وتطهروا بعد ذلك، {وهو عند الله عظيم} وهذا فيه الزجر البليغ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا، ولا يخفف من عقوبة الذنب، بل يضاعف الذنب، ويسهل عليه مواقعته مرة أخرى.

{ولولا إذ سمعتموه} أي: وهلا إذ سمعتم -أيها المؤمنون- كلام أهل الإفك {قلتم} منكرين لذلك، معظمين لأمره: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} أي: ما ينبغي لنا، وما يليق بنا الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح {هذا بهتان} أي: كذب عظيم. {يعظكم الله أن تعودوا لمثله} أي: لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا {إن الله نعما يعظكم به} {إن كنتم مؤمنين} دل ذلك على أن الإيمان الصادق، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات. {ويبين الله لكم الآيات} المشتملة على بيان الأحكام، والوعظ، والزجر، والترغيب، والترهيب، يوضحها لكم توضيحا جليا. {والله عليم} أي: كامل العلم عام الحكمة، فمن علمه وحكمته، أن علمكم من علمه، وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير