تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر مخرج عن الإسلام موجب لإراقة الدم والفرق أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه ولهذا قال له أنت موسى نبي بني إسرائل قال نعم ومحمد مبعوث إلى جميع الثقلين فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام فإنما يحكم بشريعة محمد فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه وليتشهد شهادة الحق فإنه بذلك مفارق لدين الإسلام بالكلية فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم وبين أهل الاستقامة منهم فحرك تره ...

والعلم اللدني الرحماني: هو ثمرة هذه الموافقة والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض.

واللدني الشيطاني: ثمرة الإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان والله المستعان) انتهى.

وقال في موضع آخر يرد على من:

ـ يقول بتفضيل الواردات الحاصلة عن غير استدلال على العلوم الحاصلة عن الاستدلال،

ـ ويعطي لتلك الواردات حكم العلم، مع أن العلم يشترط فيه الاستقلال بذاته، بحيث يكون غير محتاج إلى العرض على غيره، وهذا لا يتأتى في الوارد على القلوب، إذ لابد من وزنه بميزان الكتاب والسنة:

(إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة هو العلم الحقيقي وأما ما يدعي حصوله بغير شاهد ولا دليل فلا وثوق به وليس بعلم ...

وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال فليس بصحيح فإن الله سبحانه ربط التعريفات بأسبابها كما ربط الكائنات بأسبابها ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه

وقد أيد الله سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلتهم على أن ما جاءهم هو من عند الله ودلت أممهم على ذلك وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أن ما جاءهم هو من عند الله وكانت براهينهم أدلة وشواهد لهم وللأمم فالأدلة والشواهد التي كانت لهم ومعهم أعظم الشواهد والأدلة والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد

فكل علم لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها وحكم لا برهان عند قائله وما كان كذلك لم يكن علما فضلا عن أن يكون لدنيا

فالعلم اللدني: ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله.

وما عداه: فلدني من لدن نفس الإنسان منه بدأ وإليه يعود.

وقد انبثق سد العلم اللدني ورخص سعره حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني وصار من تكلم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه يزعم أن علمه لدني فملاحدة الاتحادية وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون إن علمهم لدني وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين وزنادقة المتصوفين وجهلة المتفلسفين وكل يزعم أن علمه لدني وصدقوا وكذبوا فإن اللدني منسوب إلى لدن بمعنى عند فكأنهم قالوا العلم العندي ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه وقد ذم الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده كما قال تعالى ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وقال تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فكل من قال هذا العلم من عند الله وهو كاذب في هذه النسبة فله نصيب وافر من هذا الذم وهذا في القرآن كثير يذم الله سبحانه من أضاف إليه مالا علم له به ومن قال عليه مالا يعلم ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب وجعل أشدها القول عليه بلا علم فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال بل هي محرمة في كل ملة وعلى لسان كل رسول فالقائل إن هذا علم لدني لما لا يعلم أنه من عند الله ولا قام عليه برهان من الله أنه من عنده كاذب مفتر على الله وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين)، انتهى من مدارج السالكين ج: 3 ص: 431 إلى 433

فمن هذه النقول يتضح لك أن الشيخ يقر بأن هناك واردات ترد على القلوب، دونما توسط دليل، إلا أنه لا يجيز تسميتها علما، لأن العلم حقه أن يستغني بنفسه عن غيره، وهذه الواردات، وإن تحصلت بها بعض الإدراكات، إلا أنها غير مستغنية بذاتها عن الدليل الشرعي، وقد تسمى علما بعد عرضها على الأدلة الشرعية واستبانة موافقتها لها فتسمى علما لدنيا رحمانيا، أما قبل ذلك فلا، لاحتمال أن تكون مخالفة للدليل الشرعي، فتكون إدراكات لدنية نفسانية أو شيطانية.

قلت يا أخي الحبيب:

(وأنت أخي لما ذكرت هذا جعلته علما).

فأقول: لعلك قرأت كلامي على عجل، وإلا فأنا لم أجعل العلم إلا ما كان حاصلا لأنبياء، وما حصل لغيرهم وكان موافقا لهم فهو مما يلحق به.

انظر إلى ما اقتبسته لك من قولي السابق.

ثم انظر إلى قولي أيضا:

(وأما التحديث، والوجد، والكشف فليست مصدرا من مصادر العلم، لأنه لا يؤمن على صاحبه الغلط، فقد يصيب حينا، ويخطئ حينا آخر).

وأخيرا أقول:

والحق معك في أن مصطلح (العلم اللدني) لم يكثر جريانه إلا على ألسنة المخالفين لأهل الاستقامة، كبعض الفلاسفة، والباطنية، ومنحرفي الصوفية، ومع هذا فقط ينطق به بعض أهل الحق، ويقصدون به معنى صحيحا.

ومهما قيل: (لا مشاحة في الاصطلاح)، فالواجب التحرز من هذا النوع من الاصطلاحات، وذلك من جهتين:

ـ إذ هي في الغالب مما يقصد به معنى فاسد لا يقره الدين.

ـ أو يستعمل أحيانا في معان فاسدة وأخرى صحيحة، فيكون من قبيل المجمل المحتمل الذي يوقع في اللبس والاشتباه، وينبغي للحريص على عرضه ودينه أن يبتعد عن مواطن الشبهات، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.

فجزاك الله خيرا من أخ نصوح.

فأرجو أن يكون قد اتضح لك، أيها الأخ الكريم، كلامي.

ولي عودة إن شاء الله تعالى إلى ما تبقى من الإشكالات التي طرحتها.

والله أعلم.

والسلام عليكم.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير