تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وإذا كان مذهب الأشعري بهذه المثابة فهل يلام من نصره وعول عليه؟ وهل يكون التمشعر إلا محض التسنن والاتباع؟.

إلا أن هذه الكلام لا بد من تنزيله على كلام الأشعرية المعتمد في كتبهم، لا سيما إمام المتأخرين منهم أبي عبد الله الرزاي، لنرى إن كانت هذه الأصول معمُولاً بها عندهم، أو أنها تناقض أقوالهم.

الأصل المنهجي الأول الذي خالف فيه الرزاي البيهقي:

هناك قانونٌ كليٌّ اتفق عليه متكلمُو الأشعرية؛ الجويني والغزالي والرازي ومن تبعهم، ولا أطول هنا بذكر ألفاظهم في بيانه، وإنما أكتفي بكلام الفخر الرازي لتأخره عنهم، ولكونه إمام من بعده من الأشعرية، فتأمل ما ستقرأه وقارنه بكلام البيهقي المتقدم.

قال في أساس التقديس ص220 - 221: " اعلم أن الدَّلائلَ القطعيَّة العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والمنطق؛ فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.

وإما أن نبطلها؛ فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.

وإما أن نكذب الظواهر النقلية، ونصدق الظواهر العقلية.

وإما أن تصدق الظواهر النقلية وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وظهور المعجزات على يد محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ولو صار القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهماً، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول.

وإذا لم تثبت هذه الأصول، خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت: أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وإنه باطل.

ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة: بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال أنها غير صحيحة، أويقال: إنها صحيحة، إلا أن المراد منها غير ظواهرها.

ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى.

فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق ".

وقد نظم بعضهم هذا القانون بقوله:

إذا ما النقل خالف حكم عقل= نؤله فنكسبه رجوعا

لأن العقل أصل النقل مهما =يخالف أصله، سقطا جميعا

قال مقيده عفا الله عنه: ألا ترى أن تحكيم هذا القانون نظير فعل أهل الأهواء الذين أخبر عنهم البيهقي؟ وهل يكون الراد على هؤلاء الناقض لهذا القانون إلا مجاهداً يستحق النصرة والتأييد؟.

هذا شيخ الإسلام ابن تيمية تصدى لهذا القانون الكلي، ونقضه في سفره الشهير درء تعارض العقل والنقل، فإن كان الموجبُ لمدح الأشعري أنه ردَّ على أهل الأهواء زعمَهُم أنَّ بعض ما قاله الصحابة والتابعون لا يستقيم في الآراء، فابن تيمية أولى الناس بالمدح والثناء، فعلام وقف منه الأشعرية موقف العداء؟!.

وقد صرح البيهقي رحمه الله في موضع آخر بأن من يعول على عقله ويدع النصوص خائضٌ في علم الكلام الذي ذمه السلف، فقال في تفسير قول الشافعي: " من ارتدى بالكلام لم يفلح ": قال: " إنما يعني كلام أهل الهواء الذين تركوا الكتابَ والسنَّةَ، وجعلوا مُعوَّلهم عقولهم، وأخذوا في تسوية الكتاب عليها، وحين حملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها، وأعرضوا عنها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالاً لمذهب من زعم إنه غير مستقيم على العقل، وبالله التوفيق ". نقله ابن عساكر في التبيين ص345.

قال شيخ الإسلام في كتابه المذكور (7/ 274 - 275) بعد أن نقل كلام البيهقي هذا: " وهذا اتفاق من علماء الأشعرية مع غيرهم من الطوائف المعظِّمين للسَّلف على أن الكلام المذموم عند السلف كلام من يترك الكتاب والسنة ويعول في الأصول على عقله، فكيف بمن يعارض الكتاب والسنة بعقله؟

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير